عام

قرداحي ومنظومة عنجر

بقلم العميد دعبدالله الأسعد.

حتى يومنا هذا لم ينتهي زمن الانتداب السوري المهيمن على لبنان ، فإن نتائج خروج القوات السورية من لبنان لم تبدل شيئاً في أوضاع البلاد، بل زادتها سوءاً. بوجود حزب الله اللبناني التابع لإيران وحلفاء النظام السوري المنخرطون في السياسة، الذين بدأوا يحلّون محل العسكر والمخابرات ويؤدون الدور الذي كان يؤديه الوجود العسكري المباشر.
لا نستطيع الحديث عن جورج قرداحي منفرداً ، بل هوعضواً في خلية تدور بفلك منظومة أمنية مرتبطة بمرجعية سياسية متكاملة كانت تتلقى تعليماتها من غازي كنعان القابع في بلدة عنجر، والذي حلّ مكانه لاحقاً رستم غزالي.)
هذه المنظومة لها هيكلها التنظيمي رسمته إيران لأذرعها في المنطقة، منذ أن نَصبتْ حسن نصرالله أميناً عاماً لحزب الله وسلمت خيوطه لحافظ الأسد في دمشق (ونصرالله الذي جاء بعد قيادات امثال الشيخ صبحي الطفيلي والإمام موسى الصدر وعباس الموسوي ، بالإتفاق بين أمريكا وإسرائيل وحافظ الاسد، والذي قام بدوره بإملاء الفراغات لهذا الهيكل التنظيمي من مختلف الأطياف اللبنانية والتي كان يُطلق عليها اللبنانيون في الثمانينات عدة تسميات منها (أحباب عتبات قاسيون – جماعة عنجر – جماعة الخط العسكري بجديدة يابوس… ووو… ) التي شَكلها حافظ الأسد بعد دخول قوات الردع العربية الى لبنان، بالتعاون والتنسيق بين رئيس فرع الأمن والاستطلاع السوري(اللواء محمد غانم ) في بيروت وبين قيادات بعل محسن التي كان زعيمها الروحي من الطائفة النصيرية ، وهو لبناني الجنسية (رفعت عيد وأبنه علي عيد) ونبيه بري ،و العميد غازي كنعان الذي كان نائباً لرئيس فرع الأمن والإستطلاع محمد غانم الذي لم تطول فترة رئاسته طويلا وسرعان ما آلت رئاسة الفرع بعده للعميد غازي كنعان لاحقاً.
لقد تم تشكيل هذه المنظومة التي ينتمي اليها جورج قرداحي ،و ربطها مباشرة بالجهاز الأمني بدمشق مباشرة قبل أن يتم فصلها واستقلاليتها عن شعبة المخابرات العسكرية بدمشق والتي أصبحت فيما بعد مرتبطة ارتباط مباشر مع حاكم لبنان الفعلي غازي كنعان بعد أن اصبح رئيس الجهازالامن والاستطلاع لاحقاً ،والذي كان يدير لبنان ورئيسها و مؤسساتها.
لقد مُنحَتْ هذهِ المنظومة صلاحيات واسعة في لبنان وسوريا ولديها مطلق الصلاحية في الخروج والدخول من لبنان إلى سوريا وبالعكس عن طريق الخط العسكري في معبر جمارك جديدة يابوس ، الطريق غير الخاضع للتفتيش من قبل أي سلطة. ولهذه المنظومة رواتب شهرية تسمى مكافأة يستلمونها هؤلاء من رؤساء الأجهزة الأمنية بدمشق , وتقدر قيمة هذه المكافأة بحوالي (مائة الف ليرة سورية آنذاك )أو بمقدار المعلومات التي يقدمونها عن الزعماء اللبنانيين وتحركاتهم على الاراضي اللبنانية على مدار الـــ24 ساعة من خلال الفاكسات التي يرسلونها كل ساعتين أول أقل عند الضرورة للفرع الذي يرتبطون به.
تتألف هذه المنظومة من :

  • زعماء أحزاب لبنانية وكتل نيابية ونواب وسياسيين مرجعتيهم طهران وميدانهم دمشق ) بالإضافة لنواب حزب الله بالكامل وعلى راسهم الشيخ نعيم قاسم ،ومحمد رعد وحسين حاج حسن وحسن خليل وحسين فضل الله ، ونسيب حطيط.
  • سياسيون أمثال وئام وهاب وسليمان فرنجية وطلال أرسلان والبعض من النواب المرتبطين براغماتيا ًمع حزب الله وإيران.وبالطبع على رأسهم الياس الهراوي.
  • إعلاميون وصحافين من بينهم رفيق نصرالله ،وحسين مرتضى ، وانيس النقاش وجورج قرداحي وعباس موسوي.والذي قابله قمعا للحريات واعتقالا للصحفيين المعارضين وتعذيبهم، وتكميم الافواه في سوريا ولبنان
  • هؤلاء مرتبطون إرتباطاً وثيقاً بهذه المنظومة أمنياً وإعلامياً وسياسياً وملتزمين بتعلميات جهازأمن الدولة السوري حيث أن الإرتباط وظيفي وثيق نشأ منذ نعومة أظافرهم وتدربوا على أيدي ضباط مخابرات أمن الدولة السوري بإشراف علي مملوك.
    في الواقع لا يستطيع أحداً أن يقتلع أي عضواً من هذه المنظومة من حضن المخابرات السورية ، لان أعضائها أصبحوا ضباط مخابرات في أجهزة المخابرات العامة السورية الذي يديره علي مملوك من تحت الطاولة ، (مهما كان تعاقب عليه الرؤوساء).ويعمل مملوك على إستغلال أعضاء المنظومة سياسياً وأمنياً وإعلامياً وعسكرياً نتيجة لصلاحياته الواسعة في لبنان وسوريا ، وإستغلال بعضهم ماديا ، من خلال الإغراءات المادية كما فعل مع أحد النواب اللبنانيين والذي كان يسخره من أجل نقل المواد المتفجرة من دمشق الى بيروت والتي تَدخل من خلالِ الخط العسكري على الحدود السورية اللبنانية عند معبر جديدة يابوس والذي لايخضع للتفتيش من قبل الأمن والجمارك.
    في واقع الحال من لم يعرف هذه المعلومات عن المنظومة الامنية التي ترتبط بدمشق ، ربما يستغرب أن برنامج تلفزيوني (برلمان شعب) بُثتْ حلقته على مَنصات التواصل الِإجتماعي كان لها تأثير قوي بعد إستضافتة الإعلامي اللبناني جورج قرداحي ، والذي أصبح فيما بعد وزيراً للإعلام في الحكومة اللبنانية الجديدة و المدعوم من حزب الله ، محط إهتمام الشارع العربي بأكمله وتصدركلام قرداحي منصات التواصل الإجتماعي وأصبح الشغل الشاغل للسوشيال ميديا، ، وشكل أزمة دبلوماسية لبنانية خليجية ، بتصريحاته المثيرة للجدل كـ تأييده للحوثيين وموافقته بشار الآسد قتل السوريين ومعاداته للشعوب العربية برمتها.
    إن تصريحات قرداحي ليست بالجديدة فهي من صلب ايديولوجيته ، فهوَ عَبر عما يجول في خَلجات نفسه خاطره من مُعتقدات ومُسلمات مؤمناً بها من خلال ولائه المطلق لإيران وحزب الله وتأييده القتل المُفرط لنظامِ الأسد بحق الشعب السوري ،وعدائه المطلق الذي يضمره بين جوانحه للخليج وأهله وهو يقطن في عقر دارهم، وحصل من خلال شاشاتهم حصل على الشهرة والتألق عبر محطاتهم من خلال برامج استهوت أحلام وعواطف المشاهدين العرب .
    لاشك أن دول الخليج الدول العربية تعلم أن حسن نصرالله وبشار الاسد هما من أكبر أنصار الحوثي ويعملان سوية في العراق ولبنان وسوريا واليمن ، لكن نظام بشار وحزب الله تم فرضهم منذ الثمانينات بالقوة من المجتمع الدولي ومن أمريكا وإسرائيل بالذات، على أثر عقد إتفاق الطائف الذي أُوكلت لحافظ الأسد مهمة تنفيذه حيث كان ظاهره هو وقف الحرب الطائفية اللبنانية وباطنه القضاء على المقاومة الحركات اليسارية اللبنانية و الفلسطينية جنوب لبنان من خلال دخول قوات الردع العربية التي كان قوامها الأكبر هو سرايا الدفاع بقيادة رفعت الاسد والوحدات الخاصة وبعض الفرق العسكرية الاخرى من الجيش النظامي كالفرقة الاول والثالثة المدرعتان.والتي استغلها حافظ الاسد بارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين في تل الزعتر والمخيمات الفلسطينية في لبنان
    وقتئذ وعندما أعطي حافظ أسد الضوء العالمي الأخضر قام بتحضير حزب الله كي يكون نطاق الحيطة عن المنطقة الشمالية من إسرائيل ويحفظ أمنها من ضربات المقاومة الفلسطينية وإبعاد منظمة التحرير الفلسطينية من الجنوب اللبناني إلى بيروت ومن ثم إخراجهم خارج لبنان كما تم الإتفاق بين حافظ الاسد والأمريكان وإسرائيل عن طريق مبعوث الشرق الوسط آنذاك (فيليب حبيب)
    في الواقع أن دول الخليج كانت تعلم بأن لبنان ليس دولة واحدة ذات سيادة وقرارها ليس مستقلاً واحد ، بل لبنان تسيطر عليه الدويلة الشيعية التابعة لطهران في بيروت والتي اصبحت أكبر من الدولة اللبنانية ،وكثيراً ماصدرت تصريحات من قلب لبنان في خطابات حسن نصرالله داعمة للحوثيين ويتهجم بها على الخليج عامة والسعودية والامارات خاصة، لذا فإن قرار هذه الدويلة الشيعية أصبح اكبر من قرار اللبنان وسيادته وميلشياته أصبحت تهيمن على الجيش ومخابراته، حيث غرس حزب الله ضباط موالين لإيران بمفاصل الأجهزة الأمنية وعلى رأسها اللواء عباس ابراهيم رئيس جهاز الامن العام. الذي يدير لبنان بعقلية حزب الله المدعوم من إيران ، وينفذ سياسة بشار الاسد في اعتقال وقهر السوريين وتسليم المطلوبين لمخابرات الاسد.
    لاشك ان المنظومة التي نتحدث عنها والتي تَخَرجَ منها جورج قراحي مقرها طهران وملعبها وميدانها سوريا، فيها عمليات التدريب والتأهيل والتلقين وإكتساب الخبرات والمهارات الاستخباراتية.
    لم يكن جورج قرداحي أول من بدأ الإساءة للخليج الذي اكتنز لحما وشحماً من خيراته ، لكن هو لم يكن سوى النقطة التي فاضت في كوب الإساءة إلى السعودية ، فلقد سبقه الكثيرون من اللبنانين إلى هذه الناقصة من القول والفعل ، وخاصة حزب الله المكون اللبناني المتمرد على الحكومة اللبنانية جهاراً نهاراً والذي يعتبر نفسه فوق سقف لبنان الوطن ويزود الحوثيين بالسلاح والمال والجنود الذين يقاتلون في صف الحوثيين جنباً الى جانب والمستشارين الخبراء الذين يعملون على قيادة وتوجيه الصواريخ التي تستهدف شركات النفط ومكة المكرمة.
  • المصدر: دروب ولقاء
  • مركز رصد للدراسات الاستراتيجية https://drubwleqaa.wordpress.com/2022/01/02/%d9%82%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%86%d8%b8%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%ac%d8%b1/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى