عام

العقد الاجتماعي: هل يصلح حلاً لمشكلاتنا؟

الكاتب: أ. ياسر المقداد

العقد الاجتماعي: هل يصلح حلاً لمشكلاتنا؟

تشهد السنوات الأخيرة محاولات هنا وهناك لصياغة عقد اجتماعي لبعض بلدان الربيع العربي، باعتباره ضرورة ملحةً للحالة السياسية التي تمرُّ بها هذه البلدان، وفي أثناء ذلك تكثر التساؤلات: ما هو العقد الاجتماعي؟ وكيف نشأ؟ وهل كان مفيدًا في سياق نشأته؟ وما الغاية منه؟ وهل نحن بحاجة للعقد الاجتماعي لحل مشكلاتنا؟ تجيب هذه المقالة عن ذلك بشيء من التفصيل.

مدخل:

عندما تسود الفوضى والتنازع وتصادُمُ المصالح الخاصة إثر عقودٍ طويلة من الاستبداد، يبُرز الحديث عن ضرورة تنظيم المجتمع ضمن إطار يؤسِّس لتفاهُم مكوِّناته بتغليب المصلحة العامة وتوضيح وتحديد العلاقات بين المجتمع والسلطة السياسية، وهذا ما يُفسِّر ارتفاع الأصوات واتِّساع الدعوات لوضع محدداتِ ميثاقٍ أو اتفاقٍ اجتماعيٍّ في البلدان التي تسودها تلك الحالة، حيث يكون التخوّفُ من تصاعد الحال التصادمية وتكرار تجارب الاستبداد حاضرًا بقوة لدى العقلاء.

هذه الحالة كانت البذرة الرئيسية لظهور ما يعرف بنظرية «العقد الاجتماعي» في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، حيث وُلدت النظرية من رحم معاناة قاسية على مدى عدّة قرون من الاستبداد في القرون الوسطى (عصور الظلام)، حيث كان تفسير نشأة الدولة والسلطة يقوم على أساس ديني ولّد ما يسمى بنظرية الحق الإلهي أو نظرية السّيفين تبرر حكم الحكام باسم الإله، وترفعهم فوق أي مساءلة، مما اضطرَّ المفكِّرين لابتكار حلولٍ تُخرجهم من هذه الحالة، وإيجاد تفسير لأساس الدولة والسلطة غير الأساس الديني.

العقد الاجتماعي – تعريف ونشأة:

يمكن تعريف «نظرية العقد الاجتماعي» بأنَّها نظرية تفسِّر قيام الدولة بناءً على تنازل الأفراد عن حقوقهم[1] لصالح الإرادة العامة التي هي مجموعهم، ومن خلال هذا التنازل تتشكل السيادة العامة أو جسم السلطة الذي يعبِّر عن الصالح العام. هذا ما يسمى بالعقد أو الميثاق الاجتماعي، ووفق هذا العقد تتمتع هذه الدولة -السلطة- بالصلاحيات وتؤسس مبادئ القانون لحماية المصلحة العامة، ويكون الشعب هنا هو الأساس أو مصدر الشرعية للدولة[2].

وُلدت نظرية العقد الاجتماعي في أوروبا من رحم معاناة قاسية عانتها الشعوب على مدى عدّة قرون من استبداد القرون الوسطى والتي حرمتهم من أقل حقوقهم ورفعت الحكام فوق أي مساءلة

وقد برزت هذه النظرية أول أمرها على يد الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز سنة (١٦٧٩م) وتقوم نظريته على اعتبار الحالة الطبيعية للإنسان الأنانية والشر، مما يُفضي إلى حالة الفوضى والحرب، فالإنسان للإنسان كالذئب، وتكون الحالة الطبيعية «حرب الكل ضد الكل»[3]، ولا سبيل للخروج من هذه الحال إلا بأن يتنازل الجميع عن جميع حقوقهم الطبيعية لآخرَ يحكمهم لينهي حالة الفوضى ويحقق الأمان للجميع، ثم بعد ذلك ليس لهم أن يُنازعوه أو يثوروا عليه، فهو ليس طرفًا في العقد وهم قد تنازلوا عن حقوقهم بالكامل، وبهذا يؤسس «هوبز» لسلطة مطلقة لا تُنازَع حتى لو انحرفت؛ معللاً ذلك بأنه خير من العودة إلى حالة الهمجية[4].

ثم كان التطوير الثاني للنظرية على يد جون لوك (١٧٠٤م) حيث لم يتبنَّ فكرة هوبز في أنَّ الشر هو أصل الحالة البشرية، بل قرَّر أن الأفراد في أصل حالتهم الطبيعية كانوا يعيشون بسلام ومساواة[5]، ويتمتَّعون بحقوقهم الفردية والملكية الخاصة، لكنهم في سعيهم لذلك ومع ظهور العلاقات الاقتصادية والتنافس يحصل الاختلاف مما يدفعهم لضرورة التنازل عن جزء من حقوقهم لطرف آخر فتتشكل السلطة، ولهم أن ينازعوها ويثوروا عليها إذا لم تحافظ على حقوقهم الطبيعية[6].

ثم أتى التطوير الثالث على يد الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (١٧٧٨م) حيث أسس لنظرية حقوقية وقانونية كاملة تجاوزت إشكالات من قبله، فهو وإن أخذ ممن قبله مفهوم العقد أو الميثاق الاجتماعي لكنّ تنظيره للحالة الطبيعية للإنسان والانتقال منها إلى الحالة الاصطناعية -كما يسمِّيها- وتأصيله لكيفية الوصول إلى الإرادة العامة والخروج من تصادم الإرادات الجزئية لتتحقق المصلحة العامة، وكذلك مفهوم الحريات والمواطنة، جعل طرحه المرجعيةَ النظرية لتفسير مسألة الدولة الحديثة وأساس نشأتها والمفاهيم الرئيسية المرتبطة بها، ومبادئ العمل السياسي في أوروبا منذ القرن الثامن عشر.

اعتبر روسو الحالة الطبيعية السابقة للبشر الحرية والمساواة[7]، ولكنَّهم في سعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة يقعون في التنازع بما قد يُهدِّدهم جميعًا، ولا سبيل للخروج من تلك الحالة البدائية إلا بتنازلهم عن حقوقهم للسيادة العامة التي يشكّل كلُّ فردٍ جزءًا منها، فتكون السيادة العامة هي الجسم السياسي الذي يعتبر السلطة العليا، وهنا يكون التنازل على حدِّ تعبير روسو من كل شخص للجميع لا لأحد بعينه، فيتشكل الميثاق أو العقد الاجتماعي وينتج عنه جسم معنوي جماعي عمومي، وتكون السيادة فيه وفق هذا العقد للشعب[8].

نظرية العقد الاجتماعي وأثرها في أوروبا:

على الرغم من اختلاف منظِّري «العقد الاجتماعي» في تشخيص مستوى البدائية لدى المجتمعات، وفي تحديد نمط الأنظمة السائدة في مرحلة ما قبل «النضج السياسي»، وفي الدوافع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المفضية إلى صياغة «العقد الاجتماعي» إلا أنَّهم اتفقوا على أنَّ التحوُّلات الكبرى في المجتمعات لا بد وأن تُنتج عقدًا اجتماعيًا يحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع[9].

وبالفعل هذا ما انتهى إليه الحال في أوروبا للخروج من مرحلة طويلة سادها الاضطراب والحروب والفوضى خضع الناس فيها لأعتى أنواع الاضطهاد، وتعرَّضوا لانتهاك أبسط الحقوق، فقام المفكرون بتحليل واقعهم وشخّصوا مشكلاته بدقة، ثم حاولوا رسم الحلول بما يتناسب مع هذا الواقع، وهو ما يفسر اختلاف توجهات نظرية «العقد الاجتماعي» عبر تاريخها، وهذا يؤكِّد على حقيقةٍ مُهمَّة وهي أنَّ الانطلاقة تكون من فهم طبيعة مشكلات المجتمع، ثم صياغة الحلول المرتكزة على هذه الخصوصية.

ما نشهده اليوم هو محاولاتٌ لصياغة عقدٍ اجتماعيٍّ تتضمَّن تناقضات منهجية في أصل النظرية؛ حيث تنطلق من منطلقات خارجية، إما بالتدخل المباشر من جهات دولية، أو من خلال التبنِّي المحلي لقيمٍ خارجيةٍ  غريبة عن قيم المجتمعات المحلية

مدى ملاءمة نظرية العقد الاجتماعي لبلادنا:

الذي نشهده اليوم هو محاولاتٌ لصياغة عقدٍ اجتماعيٍّ تتضمَّن تناقضات منهجية في أصل النظرية؛ حيث تنطلق من منطلقات خارجية، إما بالتدخل المباشر من جهات دولية، أو من خلال التبنِّي المحلي لقيمٍ خارجيةٍ غريبة عن قيم المجتمعات المحلية، وهو يُعتبر خطأ بنائيًا في صياغة العقد الاجتماعي، بل يُسهم في توسيع الهوَّة بين مكوِّنات المجتمع بدلاً من الوصول إلى ميثاقٍ جامع، هذا إن قلنا بأنَّ المطلوب هو العمل على صياغة عقدٍ اجتماعي، فوقعنا بين إشكاليتين:

  • الأولى: تطبيقٌ مشوَّه للنظرية -إن سلمنا بأولوية العمل عليها-.
  • الثانية: القفز إلى استيراد نظريات انبثقت في لحظةٍ تاريخية معينةٍ في سياق مجتمعيٍّ وسياسيٍّ خاص، وإسقاطها على واقع مختلفٍ كليًا.

فمن مظاهر الإشكالية الأولى: ما يُلحظ في تلك المحاولات من القيام بعملية اختزال لمكونات المجتمع، حيث تقوم مجموعاتٌ منفردة تزعُم تمثيل غالب المجتمع، أو أنها تُعبر عن هويته بمحاولات صياغة العقد الاجتماعي!

ومن مظاهر الإشكالية الثانية: التهويل الكبير الذي يُطرح من النخب وبشكل مكثَّف على أنه هذا هو الحل، وذلك على حساب تغييب أطروحاتٍ أكثر عُمقًا ومناسبةً لواقع مجتمعاتنا.

ويجدر القول بأنَّ المنطقة العربية مرّت منذ مرحلة الاستقلال حتى اليوم بمحاولاتٍ شكلية ومشوهة لبناء ما يسمى بالعقد الاجتماعي أو الهوية الوطنية الجامعة، بينما هي في حقيقة الأمر توافقاتٌ دولية وتدخلاتٌ صريحة في ثقافة وقيم المجتمع، أسفرت عن تشوُّهات كبيرة للهوية الوطنية وتهميش كبير لفئات واسعة من المجتمع، مع إيجاد تيارات فكرية وسياسية مصطنعة تدعم هذا التوجُّه.

ونحن اليوم إن لم نستفد من تلك الحقبة والتجارب المشوَّهة بأن نُعيد توجيه البوصلة إلى داخل المجتمع فسنضيف إلى التجارب السابقة تجربةً أخرى من الفشل والتشويه للمجتمع والهوية الوطنية.

الشروط الرئيسية للعقد الاجتماعي:

قد يكون من المعالجة المجدية أن نطرحَ الأفكار بجرأة أكثر ونتساءل: هل غدت سوريا وغيرها من بلدان المنطقة حقلاً للتجارب؟

ما الدافع لهذا التساؤل؟ عندما نرى منظِّري «نظرية العقد الاجتماعي» والساعين فيها بقوة في بلداننا من الفاعلين المحلِّيين أو من الجهات الخارجية سواء كانت بصفتها ميسّرةً أو داعمةً لمثل هذه التجارب، فإن علينا أن نعيد الكرة إلى ملعبهم ونقول: هل ما يقومون به هو تطبيق أمينٌ لنظريَّتهم!؟ أم أنه كما ذكرنا سابقًا يتم التعامل مع مجتمعنا كحقل تجارب على غرار ما هو حاصلٌ في المجال العسكري!

ولتوضيح ذلك أكثر لنرجع للتأمل في الأفكار الرئيسية التي قامت عليها «نظرية العقد الاجتماعي» نجد أنَّ هناك شروطًا موضوعية لا بد من توفُّرها كما وضعها مؤسسوها، وإلا أصبحت النظرية فارغة من مضمونها، ويمكن تلخيص هذه الشروط في ثلاثة مرتكزات لا يمكن تجاوزها في أي محاولة لصياغة عقد اجتماعي:

  • الأول: تمثيل ومشاركة فئات المجتمع كافة، فهذا العقد هو حالة تأسيسية للمبادئ العليا التي تحكم جميع مكونات المجتمع من جهة، وعلاقات المجتمع مع الدولة من جهة أخرى، فلا يسوغ أبدًا انفراد فئات محددة أو ممارسة تجمُّعاتٍ معينة محاولات للتأثير بما يخدم مصالحها الخاصة.
  • الثاني: أن يكون العقد الاجتماعي صادرًا من المجتمع نفسه دون تدخل جهات خارجية سواء باقتراح مسودات أو بتيسير حوارات أو رعاية الحوارات وتحديد الجهات المشاركة فيه، بل يجب أن يكون جهدًا وطنيًا خالصًا من ألفه إلى يائه[10].
  • الثالث: الحرية، وهي أولوية ضرورية لا غنى عنها، بحيث تكون الأفراد والمجتمعات بعيدة عن أي قيود أو وصايا تحول دون التعبير الحقيقي عن إرادتها الحرة[11]، وما نراه اليوم من تدخُّلات خارجية تمارس ضغوطًا مباشرة أو غير مباشرة، وإيحاءات وإغراءات على الأفراد المنخرطين في محاولات صياغة عقدٍ اجتماعي تنقض الافتراض الذي قامت عليه فلسفة العقد الاجتماعي من أنَّ الناس حكماء عقلانيون في خياراتهم.

فما هي نسبة توفر وتحقق تلك الشروط؟

من أبرز الانتقادات التي وُجِّهت لنظرية العقد الاجتماعي أنَّها تقوم على حالة متخيَّلة ليس لها سندٌ من  الواقع أو التاريخ، فإنَّه لم يثبت عبر التاريخ أنَّ دولةً ما تشكَّلت بهذه الطريقة من التعاقد

نظرية العقد الاجتماعي والانتقادات الموجهة لها:

تعرضت نظرية العقد الاجتماعي لمجموعة من الانتقادات من عدد من المفكرين الغربيين أنفسهم، مثل ديفيد هيوم وبلونتشلي وبرتراند راسل، وكان أبرزها:

  • أولاً: تقوم النظرية على حالة متخيَّلة ليس لها سندٌ من الواقع أو التاريخ، فإنَّه لم يثبت عبر التاريخ أنَّ الدولة تشكَّلت بهذه الطريقة من التعاقد[12].
  • ثانيًا: الحالة الفطرية المفترضة للبشر تقوم على أوهام، ولم تعتمد على دراسات تفيد أنَّ البشر في الأصل كانوا في حالة فوضى وشرور على مبدأ هوبز، أو حالة العزلة بعيدًا كما يقرر جون لوك، أو تلك الحالة التي افترضها روسو فيما قبل وجود السلطة[13].
  • ثالثًا: تقوم نظرية العقد الاجتماعي على تكريس السلطة المطلقة، وهذا بدا واضحًا عند هوبز، فهو يقرِّر تنازل الناس عن جميع حقوقهم من غير استثناء، وليس لهم مساءلة الحاكم إذا انحرف، فهذا تأصيل لديكتاتورية مطلقة.
  • أما روسو فعندما يفترض تفويض جميع الأفراد حقوقَهم فهو يقرِّر سلطةً مطلقةً للحاكم، فإرادته ستكون هي الإرادة العامة، وإن كان روسو قيد تصرفات الحاكم بحدود ما تقتضيه المصلحة العامة، لكن السلطة المطلقة هي جوهر الطغيان كما يقول أرسطو[14]، ويرى ديفيد هيوم أنَّ نظرية العقد ضارَّة من حيث إنَّ واجب المحكومين في المجرى العادي للأحداث هو الخضوع للسلطة، وعلى الرغم من أنَّ نظرية العقد تشدُّ انتباهنا بعيدًا عن القاعدة العامة وتُوجِّهه إلى الاستثناءات، فإنَّنا في حالة الاستثناءات قد نميل كثيرًا إلى أن نؤمن بها ونوسِّعها، إنَّ الولاء الإرادي هو ولاء محفوف بالمخاطر[15].
  • رابعًا: الحريات والحقوق الأساسية لا يصلح أن تكون محلاً للتعاقد أو التنازل، وإن حاول أصحاب النظرية الالتفاف على ذلك باعتبار أن هذا التنازل نفسه هو فعلٌ واعٍ من البشر وهو يعبِّر عن حريتهم في الأصل!
  • خامسًا: فكرة العقد في ذاتها لا تستقيم من الناحية القانونية، لأنَّ فكرة القوة الإلزامية للعقد لا توجد إلا بوجود سلطة تحمي العقود وتطبق الجزاءات، فلا يمكن أن يكون العقد الذي يحتاج إلى حماية السلطة العامة هو الذي أنشأ السلطة وأقامها.
  • سادسًا: فكرة العقد الاجتماعي لم تُثبِت قُدرتها على تحقيق نبوءتها بزوال الاستبداد، وإنما أقصى ما وصلت إليه هو إيجاد تثقيف واسع جدًا للشعوب والنخب بخصوص الحريات وحقِّ الأفراد في المشاركة السياسية، وأعادت الاعتبار للشعب في اختيار السلطة ومساءلتها، بل جعلت الشعب أساس الدولة ومصدر شرعيتها، وهذا إنجاز عظيم «لكنَّ نبوءتها الضمنية بزوال الاستبداد لم تتحقق، ولم تَثْبُت فلسفةُ العقد الاجتماعي أمام امتحان الواقع التاريخي.. وهي لا يبدو أنها ما تزال قادرة على الحيلولة دون ظهور دكتاتوريات من طراز جديد أكثر قسوة أحيانًا من الاستبداد القديم»[16].

ولعله من المهم بعد هذه الانتقادات أن نؤكد ما نعتقده بأنَّ «نظرية العقد الاجتماعي» في حقيقتها مجرَّد فرضية، فإنه لا يوجد اليوم ولا سابقًا ديمقراطية في العالم قامت بصياغة وثيقة اسمها «العقد الاجتماعي»، فهناك دساتير مكتوبة ودساتير عرفية في كثير من الدول الديمقراطية وتجارب ناجحة لكنها لم تمر بمرحلة صياغة العقد الاجتماعي، لذا ينبغي أن نضع النظرية في سياقٍ صحيحٍ لنستفيد منها كما استفاد منها العالم، فقصارى ما حققته إيجاد ثقافة عالمية قوية في مجال الحقوق والحريات وإعادة الاعتبار للشعب[17]، وليس وثيقة يشترط العمل عليها لتكون مقدمةً لأي عملية انتقال من مرحلة استبداد وفوضى إلى مرحلة سِلم عام وعدالة واستقرار.

هل نحتاج اليوم لعقد اجتماعي لحل مشكلاتنا؟

ما سبق من انتقادات لنظرية العقد يجعلنا نقف كثيرًا أمام ما يُطرح اليوم بين النخب حول نظرية «العقد الاجتماعي» حلاً للأزمة بين الدولة المستبدَّة والشعوب المغلوب على أمرها في المنطقة العربية، مستلهمين حالة التغيير التي أحدثها مفهوم العقد الاجتماعي في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث جعل الملوكَ مسؤولين أمام الشعب وليس أمام الله وكان ذلك نقضًا لنظرية الحق الإلهي -بمفهومها الذي يجعل الحاكم فوق أي مساءلة- والتي كان يحكم من خلالها الملوك تلك الفترة في أوروبا[18]، وهذا يدل على أنَّ فكرة العقد الاجتماعي لها جذورٌ اجتماعية ودينية كانت تنظِّم العلاقة بين الله والإنسان وبين الحاكم والمحكوم، وهذه المعادلة لم تكن موجودةً يومًا ما في مجتمعاتنا[19]، لذا فإنَّ تحويل فكرة العقد الاجتماعي إلى محرك تاريخي وصيرورة عملية لا يمكن إنهاء الاستبداد من دونها هو وهمٌ تاريخي[20]، ومحاولة لتعميم نظريات مبتوتة عن فهم خصوصية السياقات والظروف المجتمعية والزمانية والمكانية المراد توظيفها فيها؛ ومن البدهي القول إنَّ خصوصيات الحالة المجتمعية تفرض نفسها عند محاولة تعميم الحل لمجتمعات أخرى، ومن البدهي القول أيضًا إنَّ نجاح نظريةٍ ما في مجتمعٍ ما لا يعني نجاحها في كلِّ وسط؛ وتبقى الإفادة من المنظور العام للنظرية؛ حيث رسخت مضامين مهمة كإعادة الاعتبار لسلطة الشعب، كما أعادت الاعتبار للحقوق الأساسية للأفراد المتمثلة في حق الحياة والحرية والعدالة والتملك والمشاركة السياسية.

إنَّ استيراد نظريات غربية بقوالب جاهزة للتطبيق على مجتمعاتنا كأنها عصا سحرية للتغيير هو نوع من العجز  الذي يمثِّل عدم القدرة على صنع مقاربات خاصة مناسبة لخصوصية مجتمعاتنا

إنَّ استيراد نظريات غربية بقوالب جاهزة للتطبيق على مجتمعاتنا كأنها عصا سحرية للتغيير هو نوع من العجز الذي يمثِّل عدم القدرة على صنع مقاربات خاصة مناسبة لخصوصية مجتمعاتنا.

هذه النظرة في التعامل مع النظريات الغربية تحجُب التفكير عن أسسٍ مهمَّة ارتكزت عليها ونابعةٍ من المجال الخاص بها، فلو تأمَّلنا في الأسس التي بنيت عليها نظرية العقد الاجتماعي والتي تتلخص في: (الحالة الفطرية، ومسألة التعاقد، ومسألة الحقوق الأساسية، ومسألة حدود سلطة الحاكم) سنجد أنها كلَّها بنيت على خصوصيات مرحلة نشوء النظرية، فمسألة الحالة الفطرية -على اختلافهم فيها هل هي حالة أنانية وشر وفوضى أو مساوة وسلام؟- جُعلت أساسًا وتمهيدًا طبيعيًا لتبرير نشوء الدولة وانتقالها بشكل تدرُّجٍ طبيعي دون الحاجة لتدخل الكنيسة باسم الإله.

وكذلك مسألة التعاقد أسَّست لحالة الانتقال من المجتمع الطبيعي أو الحالة الفطرية للبشر إلى الحالة التنظيمية بحيث جعلت الحق بالكامل بيد البشر، ثم قاموا بالتنازل عن حقوقهم لصالح الدولة لتقوم بحمايتهم من الفوضى ولأجل تحقيق الأمن والمساواة، فسحبت مرجعية ومسؤولية الحكام من أمام الكنيسة لتكون أمام الناس.

ومسألة الحقوق الأساسية هي تأكيد على الحقوق المسلوبة في تلك الفترة حتى تكون عنوان التحوُّل الجديد بعيدًا عن هيمنة الكنيسة والأباطرة على حريات وحقوق الأفراد أو نزعهم حقَّ التملك الخاص.

أما مسألة حدود سلطة الحاكم فكانت مطلقةً عند هوبز مراعاةً للظروف والقلاقل التي عصفت بأوروبا في زمانه، فكان الحلُّ في نظره حاكمًا مطلقًا لا يُنازع، يقول برتراند راسل: «لقد تأثرت نظرية هوبز بالقلاقل السياسية التي انتشرت في عصره، وكان أكثر ما يخشاه وينفر منه هو الانشقاق الداخلي، ولذا كانت آراؤه تنشد السلام بأي ثمن»[21].

بينما أخذت شكلاً أكثر اعتدالاً من خلال تقييد سلطة الحاكم بالحقوق الأساسية عند جون لوك، وبالتصرف وفق الإرادة العامة عند هوبز.

مشكلتنا اليوم ليست دينية، وليست في تصادم الإرادات الجزئية لفئات المجتمع، بل في الاستبداد السياسي  المتحكم بمفاصل المجتمع، وبالتالي ألا نستطيع أن نصوغ العقد الاجتماعي الخاص بنا بعيدًا عن أفكار نشأت في  سياق تاريخي معين وظروف مجتمعية خاصة؟

يقول ماترن في كتابه «مفاهيم الدولة والسيادة»: «إنَّها حقيقةٌ هامة، وإن كانت مجهولة لدى كثير، أنَّ نظريات «هوكر» و«هوبز» و«لوك» و«روسو» كانت نتيجة نوازعهم السياسية واهتمامهم بنتائج المعارك الدينية والسياسية التي كانت على التعاقب ناشبةً في زمانهم في الأوطان التي كانوا يدينون لها بالولاء، أو في البلاد التي وجدوا فيها موئلاً ومقامًا»[22].

فنرى أنَّ أصول النظرية قامت على حل مشكلاتٍ ومعضلات كانت تعاني منها مجتمعاتهم، لذا فإن استحضار النموذج واعتباره حلاً دون تشخيص المشكلات الرئيسية للواقع سيحدث مشكلات إضافية.

فهذا يدعونا إلى تشخيص دقيق لمشكلات مجتمعنا، وليس جلب نصوص ومسودَّات من هنا وهناك ومن بعض الوثائق الدولية، ثم نضعها محدداتٍ لعقدٍ اجتماعيٍّ جديد، كما حصل في بعض المحاولات حيث راحت تنصُّ على علمانية الدولة وتهميش الدين لبلد يشكّل المسلمون نسبة ٨٠-٩٠٪ من سكانه، وهو جزءٌ أصيل من هوية البلد وحضارته، والمناداة بحرية الردة عن الدين، وإطلاق الحرية لممارسة الشذوذات السلوكية كالمثلية وما شابه، فأين هذه من القيم الجامعة للمجتمع المراد وضع ميثاق جامع له!؟

تعاني مجتمعاتنا اليوم بالدرجة الأولى من استبداد سياسي متحكِّم في جميع مفاصل الحياة، فمشكلتنا ليست دينية أو كنسيّة، وليست في تصادم الإرادات الجزئية لفئات المجتمع كما عند روسو، وبالتالي ألا نستطيع أن نصوغ العقد الاجتماعي الخاص بمجتمعاتنا بعيدًا عن طرح أفكار نشأت في سياق تاريخي معين وظروف مجتمعية خاصة؟


[1] المقصود بالحقوق هنا جميع الحقوق الأساسية وغيرها حسب رؤية «جاك روسو»، وهو يتفق بهذا مع «هوبز»، بينما يرى «جون لوك» أن الحقوق التي يتنازل عنها الأفراد ليست مطلقة بل تقتصر على القدر اللازم لإقامة السلطة والمحافظة على حقوق الجميع، لذا فهو يستثني منها الحقوق الأساسية (الحياة، الحرية، التملك)، ويبرر «روسو» رؤيته بأن تنازل الأفراد عن حقوقهم لا يفقدهم حرياتهم لأنهم يستعيضون عنها بحريات وحقوق مدنية تقررها لهم الجماعة المدنية.

[2] هذا التفسير وفق منظور الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو صاحب كتاب «العقد الاجتماعي» وسيأتي توضيح اتجاهات أخرى للنظرية سابقة لروسو.

[3] اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطان الدولة، لتوماس هوبز، ص (١٣٣-١٣٤).

[4] المصدر السابق، ص (٣٣٠) فما بعد.

[5] ينظر: مقالتان في الحكم المدني، لجون لوك، ص (١٣٩).

[6] المصدر السابق، ص (١٨٩) فما بعد، وينظر في حدود السلطة: ص (٢١٩-٢٢٠).

[7] ينظر: العقد الاجتماعي، لجان جاك روسو، ص (٨٠).

[8] ينظر: العقد الاجتماعي، لجان جاك روسو، ص (٩٢) فما بعد.

[9] العقد الاجتماعي لمرحلة ما بعد البعث، مقال على موقع «شارك شباب»، بإشراف د.بشير زين العابدين.

[10] لمزيد من التوضيح ينظر: العقد الاجتماعي لمرحلة مابعد البعث، مقال على موقع «شارك شباب» بإشراف د.بشير زين العابدين.

[11] ينظر: هل تحتاج سوريا عقدًا اجتماعيًا أم دستورًا ؟ مركز الحوار السوري: مادة منشورة على موقع مركز الحوار السوري بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠٢٠م.

[12] ينظر: تاريخ الفلسفة السياسية، لِيو شتراوس وجوزيف كروسبي (٢/١٢٩).

[13] المصدر السابق (٢/١٢١).

[14] ينظر لمزيد من النقاش لنقد فكرة تنازل الأفراد عن حقوقهم وما ينجم عنه من سلطة غير مقيدة: حكمة الغرب، لبرتراند راسل (٢/١٠٧).

[15] المصدر السابق (٢/١٣٠).

[16] ماذا تبقى من دولة العقد الاجتماعي، د.برهان غليون، مجلة قلمون، العدد الخامس عشر، ص (٣٦).

[17] في الحقيقة لم يكن تقرير هذه المبادئ (الشعب مصدرًا للسلطة –الحريات -حق التملك) إبداعًا جديدًا في مجال الفكر السياسي العالمي، بل عرف العالم نظرية متكاملة في الفقه السياسي الإسلامي بما يخص الحريات وحقوق المشاركة السياسية وحق مساءلة الحاكم ودور الشعب كمصدر للسلطة، كما عُرف في حضارة اليونان شيء مما يتعلق بحق الشعب لكنها كانت منقوصة حيث اقتصرت على فئات محددة، ينظر تفصيل لذلك في مقال بعنوان: النظرية السياسية الإسلامية مقارنة بالنظريات السياسية الحضارية، مقال منشور في العدد الخامس من مجلة رواء، ص (٢٨).

[18] تجدر الإشارة هنا إلى أن نظرية الحق الإلهي في تلك الفترة لم تكن مقتصرة على أوروبا بل كانت شائعة في أغلب العالم، لكن النموذج الأوروبي كان نموذجًا ذا خصوصية من خلال الحكم البابوي الأكثر تسلطًا داخليًا وخارجيًا وفي جميع مجالات الحياة، حيث عرفت تلك الفترة باسم عصور الظلام أو العصور الوسطى، ويمكن الاطلاع على مزيد توضيح حول ذلك من خلال مقال منشور في العدد الخامس من مجلة رواء بعنوان: «النظرية السياسية الإسلامية مقارنة بالنظريات السياسية الحضارية»، ص (٢٨).

[19] المقصود هنا باالمعادلة التي تنظم العلاقة الدينية بين الله والإنسان وبين الحاكم والمحكوم هي تلك التي كانت تقوم على ما عرف بنظرية السيفين أو الحق الإلهي، وهي ادعاء القدسية للحاكم بحيث يكون فوق المساءلة مع مصادرة حقوق الشعب في التعبير أو الاختيار أو التمثيل، وإلا فإن الفقه السياسي الإسلامي قائم على المرجعية الدينية وينظم جميع العلاقات بين الله والناس وبين الحاكم والشعب على أساس الحقوق والعدل، لمزيد من التفصيل ينظر: «النظرية السياسية الإسلامية مقارنة بالنظريات السياسية الحضارية»، مقال منشور في العدد الخامس من مجلة رواء، ص (٢٨).

[20] ينظر للتوسع في هذه الفكرة: العقد الاجتماعي.. سوريا نموذجًا، لحسين عبد العزيز، مقالة منشورة على موقع «عربي٢١» بتاريخ ١١سبتمبر٢٠٢١م.

[21] حكمة الغرب، لبرتراند راسل (٢/٤٨).

[22] نقلها عنه د.ضياء الدين الريس في كتابه «النظريات السياسية»، ص (٢٣)


أ. ياسر المقداد

ماجستير في أصول الفقه، له عدّة إسهامات في التأليف والتحقيق.


المصدر: https://rawaamagazine.com/?p=1377

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى