مقالات

المواطنة المتساوية.

الكاتب : حسان الأسود.

مقدّمة

تقوم الدولة الحديثة على أسس وركائز عدّة، وتقع المواطنةُ في القلب منها. فالأفراد الأحرار هم من ينشؤون الدولة بتعاقدهم على صياغة العقد الاجتماعي الناظم لشؤون عيشهم. لكنّ الأفراد لا يعيشون بدون انتماء، فهم يتعاقدون بصفاتهم الفردية إلا أنّهم يسعون على الدوام إلى التأطّر والاندماج لتشكيل جماعة المواطنين، وهذه الجماعة تبحث عن المشتركات التي تجمع أفرادها وتميّزهم عن غيرهم من أعضاء الجماعات الأخرى، كما تبحث عن السمات الثقافية التي تجمع هؤلاء لتشكّل لهم هُويّة واضحة. في هذه الهُوية، نجدُ التعبير عن الذات الفردية داخليًا ضمن الجماعة الواحدة، كما نجدُ التعبير عن الجماعة خارجيًا بما يحددها ويعرّفها بالمقارنة مع الجماعات الأخرى.

الهُويّة ليست ثابتًا لا يتحوّل، وليست صفة لكيان أزلي قديم لا يتطوّر، بل هي تشكيلٌ حيّ يتغير بتغيّر الظروف المحيطة بالجماعة، فتنمو وتكبر أو تتقلّص وتندثر. وتتأثر الهُويّة بتجارب أفراد الجماعة التي تعبر عنهم، ومن خلال علاقة الجماعة بغيرها، وتتطور بمرور الزمن وبتراكم الخبرات والتجارب للجماعة المعنية. لذلك عند الحديث عن الهويّة الوطنية، لا بدّ من البحث بعمقٍ في جذر المشتركات بحدودها العليا بين أبناء الوطن الواحد، مع عدم إغفال الخصائص المميزة لبعض الجماعات عن غيرها. واختصار الهويّة بأحد مكوناتها يعني وضع العراقيل في طريق بنائها.

“إنّ الهويّة رابطة، أو نتاجُ رابطة، لذلك لا يمكن تصوّر الإعلان عنها بشكل أحادي، كما هو شأن كثير من الادعاءات الهوياتية التي برزت في لحظة ما بعد الثورة. وهنا، فإنّ الحديث عن رابطة الاعتراف يفترض أنّ عناصر الهويّة تتشابك وتتداخل وتتقاطع. لذلك فإنّ جزءًا من الصراع في شأن سياسات الهويّة، في لحظة ما بعد الثورات العربية، كَمُنَ في اختزال الهويّة إلى بُعدٍ واحد، وتأسيس الانتماء على ذلك البُعد، ما من شأنه ألا يحترم تعقّد واقع الهُوية وتشابكه”[1].

وكي تتشكّل الهُويّة الوطنية على أسس ثابتة ومستدامة، لا بد لها من معالجة الهواجس والإشكاليات الثقافية والمجتمعية العميقة بين مكونات المجتمع. وهذه المعالجة لا تكون سليمة إذا انحصرت في لحظة التدافع والصراع السياسي على السلطة، فلا بدّ من الحوار الوطني المعمّق للوصول إلى الصياغة الدستورية الأرقى، القادرة على تأمين التوازن الحقيقي بين مكونات المجتمع من جهة، وعلى تأمين حقوق المواطنين وترسيخ أسس الدولة والسلطات فيها من جهة ثانية. أي أنّ الدستور يجب أن يتضمن الإجابة على الأسئلة الحرجة الخاصّة بإعادة تعريف الهُويّة الوطنية، وإشكاليات المواطنة والانتماء، وعلاقة الدين بمؤسسات الدولة، وقضايا الحقوق الثقافية للقوميات المختلفة، إضافة إلى اختيار طبيعة النظام السياسي للحكم والشكل الأنسب للدولة.

محور النقاش

وباعتبار أننا في سورية بأمسّ الحاجة إلى المواطنة، فما الذي يمكن فعله لتأسيس وتعزيز وترسيخ مفهوم ومبادئ وقيم المواطنة في سورية الجديدة؟ ستحاول هذه الورقة الإجابة على الأسئلة المطروحة ضمن هذا السياق، بما يخدم القضيّة النهائية المنشودة، أي المواطنة المتساوية.

أولًا: العدالة الانتقالية وتصفية تركة الماضي

العدالة الانتقالية -بما هي نهجٌ متكاملٌ لمعالجة آثار انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة سابقة من الحكم الاستبدادي، أو خلال فترة الانتقال السياسي من الاستبداد إلى الديمقراطية، أو خلال فترة الصراع على السلطة- أمرٌ جوهريٌ، لازمٌ وإن كان غيرَ كافٍ وحده من أجل إعادة التوازن للمجتمع. فتجارب الشعوب المختلفة التي مرّت بثورات أو انتقالات أو تحولات وصراعات، كالتي نعيشها في سورية، تدلّنا بشكل قاطع على ضرورة العدالة الانتقالية.

إنّ معالجة أسباب حصول الانتهاكات أمرٌ أساسي في أيّ مسار للعدالة الانتقالية، والهدف النهائي المرجو منه بلا شك هو منع تكرار هذه الانتهاكات، بمنع أسباب وجودها. وكذلك معالجة آثار الانتهاكات أمرٌ لا مفرّ منه، والهدف النهائي من ذلك هو عودة الثقة بين أفراد وفئات المجتمع، وتعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، واحترام سيادة القانون ومنع استيفاء الحق بالذات. فلا يمكن أن يستقرّ المجتمع إذا رأى الضحايا المجرمين طلقاء، ولا يمكن لهؤلاء أن يرعَوُوا دون تعرّضهم للمساءلة، ولا يمكن للمجتمع أن يقف على قدميه من جديد دون أن يُصار إلى بثّ الثقة بقوانينه وقواعده الأخلاقية. إنّ المحاكمات الجنائية تقع في المركز من بين أدوات العدالة الانتقالية التي لا غنى عنها لإعادة ضبط الحقوق ولإعادة المظالم إلى أهلها، والمساهمة في تنفيذ الروادع والزواجر بالقوّة. “إنّ العقاب ضرورة للدفاع عن شرف أو هيبة من تضرّر، حتى لا يؤدي غياب العقاب إلى مهانة الضحيّة”[2].

بدون المكاشفة والمصارحة، من خلال لجان الحقيقة مثلًا، لا يمكن أن يعمّ السلم الأهلي، ولا يمكن تصوّر عودة الحياة إلى طبيعتها، فيجب أن يكون هناك اعترافٌ بالانتهاكات التي وقعت، ويجب أن يكون هناك نقاشٌ علني حولها، يشمل أسبابها وآثارها وطرق علاجها. إنّ إظهار الانتهاكات إلى العلن، ومن ثمّ الاعتذار عنها بالعلن، هما من أهم أدوات الصفح المتوقع. بدون الاعتراف بالذنب، وبدون الاعتذار عن الخطيئة لا يمكن أن تصفو نفوس الأحياء، ولا يمكن أن تهدأ أرواح الراحلين ولا أن تُصان كرامتهم.

يشكّل جبر الضرر والتعويض عن الضحايا أحد أهمّ أدوات العدالة الانتقالية، وبدون تحديد مفهوم الضحية وتحديد أشكال التعويض وتحديد موارد تغطية احتياجات هذا التعويض، لا يمكن الوصول إلى نتيجة مرضية ومفيدة للتعافي. فإذا ما عرفنا أنّ عدد الضحايا في النزاع السوري بلغ أرقامًا خيالية، سواء من ماتوا نتيجة الأعمال الحربية أو من قضوا تحت التعذيب وفي المعتقلات، أو من فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بالعجز الكلي أو الجزئي، وسواءٌ من فقدوا أملاكهم أو موارد رزقهم، ومن هُجّروا وشُرّدوا، فإننا ندرك حجم المصيبة التي حلّت بنا، ونعرف مقدار العقبات الموجودة في طريقنا.

يشمل مسار العدالة الانتقالية أيضًا مفهوم إصلاح المؤسسات لمنع أسباب تكرار ارتكاب الانتهاكات، وتدخل في هذا السياق بلا شك قضايا إصلاح أجهزة الأمن والشرطة والمؤسسات العقابية من سجون ومراكز توقيف، وكذلك الجيش والمؤسسة العسكرية، ويضاف لها المؤسسة القضائية أيضًا. يشمل ذلك -بلا ريب- موضوعة إصلاح الأنظمة التشغيلية للدولة، أي مجمل المنظومة القانونية والحقوقية. يستتبع ذلك أيضًا موضوع فرز الموظفين للتخلّص من أحد أهمّ ركائز الفساد الإداري والاستبداد السياسي.

يشمل مسار العدالة الانتقالية أيضًا موضوع تخليد الذكرى، فلا بدّ من إبقاء موضوعة الانتهاكات الحاصلة حاضرًا في الأذهان، ليس لمنع الصفح، بل لمنع النسيان وبهدف منع التكرار. لا ينفكّ الألمان يذكرون أنفسهم بما اقترفته أيدي أسلافهم في العهد النازي من جرائم وموبقات يندى لها جبين البشرية، ولا يتركون مناسبة إلا ويكررون فيها اعتذارهم عن ذلك، والهدف هو بكل تأكيد العودة دومًا إلى الساحة الإنسانية، وتذكير الأجيال بمخاطر التمادي بتعظيم الذات الفردية أو القومية، وبمخاطر التطرّف، والعنصرية، والاستبداد. ونحن في سورية بحاجة أكثر من غيرنا إلى هذا الأمر، فما من جهة من جهات الصراع بريئة من ارتكاب الجرائم والتجاوزات والانتهاكات.

ثانيًا: استعادة الثقة بين السوريين، والاعتراف المتبادل وتعزيز قيم التسامح

لقد جهل السوريون بعضهم البعض بشكل مريع قبل الثورة، فلم يتمكنوا من فهم ذواتهم، لأنّ مفهوم المواطنة لم يكن موجودًا على الإطلاق خلال فترة حكم البعث، وخاصّة بعد استيلاء حافظ الأسد على الحكم بعد انقلابه عام 1970. كانت فكرة نظام الحكم عن الأفراد أنهم رعايا لا مواطنون، فكان يتمّ التعامل معهم على أساس أنهم ملكية خالصة للحاكم يفعل بهم ما يشاء. ولم يكن بالإمكان كذلك فهم طبيعة علاقة السوريين بالدولة. لقد كانت المسافة بين مؤسسات الدولة ورعاياها ضبابية وغائمة على الدوام، فلم يستطيعوا التخلّص من رقابة السلطات الدكتاتورية بسبب تماهيها مع الدولة ومؤسساتها، فكان أي انتقاد لأداء مؤسسات الدولة بمنزلة انتقاد للسلطة الحاكمة، وهذا يستتبع العقاب المنفلت من إسار القوانين، مما كان يتم على يد أجهزة المخابرات المارقة.

إداريًا، وتشريعيًا أيضًا، أطبق مفهوم النفع العام على المواطنين، فلاحقهم بقوّة عملهم من خلال أيام العمل الطوعي الإجبارية، وسرق أملاكهم من خلال قوانين الاستملاك الغاشمة. لقد تغوّل مفهوم الحيّز العام المفروض من نظام الحكم باسم الدولة كثيرًا، فاستغرق حياة الناس السياسية والاجتماعية والفكرية، وبات أقرب للتحكم حتى في اختياراتهم الشخصية للملبس والمأكل وأسلوب العيش. لم يترك الاستبداد للسوريين أي مخرج سوى الثورة، فكانت ثورة كرامة وحقوق ومطالبة بالحرية والعدالة بحقّ.

يحتاج السوريّون الآن لكثير من الوقت كما لكثير من الهدوء لمعرفة بعضهم، والمعرفة الحقيقية تعني من حيث النتيجة احترام الآخر المختلف، وقبوله كما هو لا كما نراه نحن أو نرغب أن يكون. والقبول بالآخر بهذا الشكل يعني الاعتراف المتبادل بالجميع، ويؤدي من حيث النتيجة إلى حماية التنوّع السوري الذي هو إحدى أهمّ القيم المضافة في مجتمعنا.

الحقيقة أنّ قيم التسامح لا تكون بين المواطنين المتساوين في الانتماء، ولا بين الشركاء المتساوين في الحقوق والواجبات، بل تكون بين أصحاب حقّ ومدينين، بين أصلاء ودخلاء، أو بين أصحاب بيت وضيوف، أبو بين مواطنين ووافدين أو لاجئين. إلا إذا كان المقصد من التسامح هو طيّ صفحة الماضي القاتمة، والبدء بصفحة جديدة بعد أن تأخذ العدالة مجراها، وهذا يمكن قبوله، بل يجب قبوله لاستمرار الحياة والعيش المشترك.

ثالثًا: النص الدستوري والقوانين

يدرك السوريون أنّ مشكلتهم لم تكن على الإطلاق بغياب النص الدستوري الواضح الذي يحفظ كرامتهم وحقوقهم، لكنّهم يدركون أيضًا أهميّة الدستور، كوثيقة وطنية تضمن مصالح جميع المواطنين. لذلك لا بدّ من تغيير الدستور الراهن، والاتفاق على دستور جديد يتوافق وروح العصر من جهة، ويشكّل قطيعة مع الاستبداد من جهة ثانية. إنّ قوّة النص الدستوري وإلزاميته لا تنبع من أحكامة الواردة فيه، بقدر ما هي نتيجة للتوافقات النهائيّة للمواطنين الأحرار الذين اتفقوا على هذه الأحكام. عندما يشارك السوريون بصياغة دستورهم فعليًا، وعندما يكون هو الجواب على أسئلتهم وهواجسهم، وعندما يضمّنونه أسباب النفاذ والسيادة والعلّو، يكون من الطبيعي أن يحترموه، وأن يذبّوا عنه ويعضّوا عليه بالأنياب والنواجذ.

لقد تحوّلت القوانين عبر سنوات الاستبداد المتعاقبة، من عصب تنظيم الحياة في الدولة، إلى أدوات تأبيد الحكم بيد جماعة استولت عليه بالقوّة الغاشمة. وهذه القوانين كانت خرقًا فاضحًا للدساتير المتعاقبة، بالرغمّ من أنّ الأخيرة لم يكن لها من قيمة أو معنى من حيث المبدأ والمنتهى. لذلك، يجب أن يشمل التغيير جملة القوانين والتشريعات والمنظومة الحقوقية الراهنة، ويجب أن يكون هناك رقابة حقيقية على توافق هذه القوانين مع الدستور العتيد، ويجب أن يكون من حق المواطنين الأفراد، كما سلطات الدولة وهيئات المجتمع المدني، أن تفرض رقابتها على دستورية القوانين من خلال الطرق المعروفة للمختصين. فيكون من حق الأفراد الدفع أمام المحاكم بعدم دستورية القوانين، ويجب أن يكون من حق القضاة التمسك بمبدأ سموّ الدستور ورفض تطبيق القانون المخالف له، ويجب أن يكون للمحكمة الدستورية الكلمة الفصل في هذا الشأن.

رابعًا: احترام سيادة القانون

سيادة القانون ليست مجرد مفردة من مفردات قياس الحوكمة الرشيدة، إنها أساس قيام الدولة واستقرار الحكم وازدهار الاقتصاد وتطوّر المجتمع. بدون هذا المبدأ، لا يمكن أن نصل إلى دولة المواطنة المتساوية، فالمعيار الرئيس في اعتبارات العدالة والمساواة في الدول هو سيادة القانون. وبدون إمكانية خضوع جميع الأفراد والهيئات لقانون واحد ينطبق على الجميع بدون تمييز، لا يمكننا أن نتوقّع أي ازدهار اقتصادي ولا أي استقرار سياسي. ستكون الاضطرابات هي سيدة الموقف على الدوام، فمن يجد أنّ القانون مجرد أداة بيد السلطة لا تنفذ مفاعيلها إلا على الضعفاء، سيجعل من الانتماء للوطن مجرد شعارات كاذبة.

إنّ سيادة القانون على الجميع بدون استثناء تعزز احترام المواطنين وسكان الدولة للقانون ذاته، وتجعل من الالتزام الطوعي بتنفيذ القوانين أمرًا يسيرًا، فكون المبدأ واضحًا للجميع، لا لبس فيه ولا غموض، يؤدي بالضرورة إلى التقيّد به من قبل الأفراد والمؤسسات والتنظيمات المختلفة حتى سلطات الدولة ذاتها. يتضمّن مبدأ سيادة القانون مفردات مهمّة مكمّلة لا غنى عنها، وهي مفاهيم المساواة أمام القانون والمسؤولية أمام القانون والعدل في تطبيق القانون واليقين القانوني. وتعدّ هذه المفاهيم -بشكل أو بآخر- شرحًا للمبدأ ذاته.

إنّ القول بغير ذلك يجعل من المواطنين درجات مختلفة، ويؤدي إلى نشوء الإحساس بالتفوّق عند البعض، مقابل الإحساس بالدونية والتهميش عند البعض الآخر. وسيكون نتيجة ذلك -بكل تأكيد- خلق حالة من العداء للقانون، وللدولة ذاتها أيضًا، مما يؤدي إلى خراب المجتمع من حيث النتيجة.

خامسًا: إحياء المجتمع المدني

لقد وصَلَنا مفهومُ المجتمع المدني -في الوطن العربي عامّة وفي سورية خاصّة- بعد تطوّرٍ كبير امتدّ زمنًا طويلًا، بدأ مع تشكّل الدولة في منتصف القرن السابع عشر بعد انتهاء الحروب الدينية في أوروبا، وخاصّة حرب الثلاثين عامًا التي انتهت بتوقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648، ولم ينته حتى الآن.

انطلق المجتمع المدني أساسًا من فكرة الدولة، حيث أدّى الصراع بين الإقطاع اللامركزي بطبيعته والمتعدد الأقطاب مع المَلَكية، إلى إنشاء الدولة بمعناها التنظيمي الذي يتضمّن رعاية شؤون المجتمع بأكمله. ثم تطوّرت من خلال التمييز بين المجتمع والدولة، واعتبار المجتمع قادرًا على تنظيم بعض المجالات خارج إطار السلطة القهريّة للدولة، فكان يشمل الأحزاب والنقابات والاتحادات الطوعية. بعد ذلك استبعد المفهوم الأحزاب من تشكيلة المجتمع المدني، باعتبارها تسعى للوصول إلى السلطة والحكم، أي أنها تشكّل جزءًا من كيان الدولة. وأخيرًا بات المفهوم يستوعب فقط الاتحادات الطوعية القائمة على الديمقراطية المباشرة بين أعضائها، ويشمل المنظمات المختلفة العاملة بالشأن العام دون أن تكون تابعة للدولة. “إنّ المجتمع المدني هو صيرورة فكرية وتاريخية نحو المواطنة والديمقراطية، عبر مجموعة من التمفصلات والتمايزات في العلاقة بين الفرد والجماعة، أو بين المجتمع والدولة”[3].

و”إنّ المجتمع المدني من دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية، هو عملية إجهاض لمعاني المجتمع المدني التاريخية وطاقته النقدية، فضلًا عن نزع قدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية والسياسية”[4]. وهذا يجعل من إحياء المجتمع المدني بمعناه الواسع أمرًا لا غنى عنه، لتعزيز فكرة المواطنة المتساوية، باعتباره بنية تحتية تساعد في هذا البناء، فالمجتمع المدني هو انتماءٌ قائم على المواطنة لا على أي اعتبار آخر كالنسب والقرابة أو الدين.

سادسًا: مؤسسة القضاء

القضاء هو السلطة الأكثر أهمية بين سلطات الدولة، لجهة تعزيز الحقوق والحريات وقيم المواطنة المتساوية، فبالنظر إلى طبيعة هذه المؤسسة، نجد أنّها أكثر المؤسسات قدرة على ضبط السلطة التنفيذية ومنعها من التغوّل على حقوق المواطنين.

إنّ استقلال القضاء من أهمّ مؤشرات الحوكمة الرشيدة، وبدون إعادة تأهيل هذه المؤسسة في سورية الجديدة؛ لن يكون لنا أن نتفاءل بمستقبل واعد للأجيال القادمة. وهذا التأهيل يفترض إصلاحًا بنيويًا في مجموعة التشريعات الناظمة لعمل المؤسسة القضائية، كما يفترض إعادة تأهيل الكادر القضائي والإداري للمؤسسة بما يتناسب ومنظومة حقوق الإنسان. لقد استطاع نظام الاستبداد -على مدى ما يقرب من ستين عامًا- تحجيم القضاء واستتباعه للسلطة التنفيذية، وهذا يفرض علينا القيام بثورة شاملة لإعادة الهيبة والاعتبار لهذه المؤسسة، التي باتت مع مرور السنوات أداة للقمع ملحقة بيد الأجهزة الأمنية للنظام.

يبدأ إصلاح المؤسسة القضائية من النصّ الدستوري، ويمرّ بإنشاء محكمة دستورية قادرة على رقابة دستورية القوانين ومنعها من الانحراف، ولا يتوقف عند إعادة النظر بمجمل منظومة التشريعات النافذة، بل يتعداها لإنشاء جيل جديد من القضاة والمحامين والموظفين الإداريين وجهاز الشرطة العدلية المنسجم والمتناغم مع قيم العدالة والكرامة الإنسانية، التي هي في القلب والجوهر من قيم المواطنة المتساوية. غنيّ عن الشرح أنّ المؤسسة القضائية لا تقتصر على القضاة، فهي -كما أسلفنا- تشمل منظومة كاملة من المؤسسات الرديفة والمساعدة، كنقابات المحامين وسلك الشرطة العدلية ومصلحة السجون ودور التأهيل والإصلاح، وهذه يجب أن تكون ملحوظة في مساعي التطوير والتحديث أيضًا.

سابعًا: الحياة السياسية

لا تقوم الحياة السياسية على مفردة واحدة في المجتمعات الديمقراطية المتقدّمة، فلا تنحصر بممارسة السياسة عن طريق الأحزاب أو في تداول السلطة في البرلمان من خلال الانتخابات، بل هي نتاج لعملية متكاملة من التفاعلات الاجتماعية مع منتجات العلوم والتكنولوجيا والآداب والفنون والثقافة عمومًا. فهذه بمجموعها تخلق أجواءً من الممارسة السياسية الحقيقة والفاعلة. فالنقابات تمارس السياسة عندما تنظم الإضرابات للمطالبة بتحسين شروط العمل أو رفع الحد الأدنى للأجور، والصحافة تمارس السياسة، عندما تسلّط الضوء على أداء الحكومة وتبيّن عثراتها أو نجاحاتها، كذلك تمارس الاتحادات الطوعية السياسة، بمفهومها الواسع، عندما تهتم بشؤون الطاقة النظيفة وبالمناخ، أو عندما تساهم في جهود تقديم العون للمهاجرين واللاجئين.

إنّ ما يفتقده السوريون بشكل واضح هو السياسة بكل معانيها، فأزيد من نصف قرن من الاستبداد أودت بنا إلى التصحّر السياسي واليباس والجمود عند مصطلحات خشبية لا تصمد أمام المنطق والفحص العلمي الرصين، حتى إنها أسهمت في تشويه المصطلحات المختلفة. لقد بات الاشمئزاز أقلّ تعبير يمكن أن يراود السوريين، عند سماع كلمات مثل الوطنية والمقاومة والاستعمار والاشتراكية والقومية وغيرها الكثير، والسبب يكمن في إفراغ المحتوى الممارس بإدراك واعٍ من قبل أجهزة نظام الحكم، على مدار سنوات الاستبداد السابقة. سيكون من العسير علينا -قبل مرور جيلين أو ثلاثة- العودة إلى استخدام هذه المصطلحات، وسيكون علينا انتظارها حتى تتخفف من أحمالها الزائدة التي أثقلت كاهلها عبر الزمن الرديء من سيطرة الاستبداد.

ثامنًا: التثقيف والإعلام

لا يوجد في الدول المتقدمة وزارة للإعلام، فهو منظومة حرّة تعمل وفق قوانين الضبط المجتمعي الذاتية. ومع ذلك، تتمتع الصحافة ووسائل الإعلام التقليدية، من إذاعات وتلفزيونات، بدعم الدولة في ألمانيا على سبيل المثال، فهناك ضريبة خاصّة تُفرض على كل عائلة مقيمة في ألمانيا، يعود ريعها لدعم هذه المؤسسات حتى تبقى بعيدة عن سيطرة جهات خارجية أو أحزابٍ معينة أو رأس المال المتمثل بالشركات وقطاعات الأعمال. كذلك تخصص الحكومة الاتحادية المليارات سنويًا لدعم المؤسسات الثقافية، مثل دور الأوبرا والمسارح والسينما ومعارض الفن والموسيقى، فهذه المؤسسات تلعب دورًا مهمًّا ورئيسيًا في التوازن الاجتماعي. سيكون من الواجب في سورية الجديدة الاهتمام بهذين القطاعين بشكل كبير، فلا بدّ من دعمهما وتخصيصهما بموازنات كافية لأداء دورهما في المجتمع، مع الحفاظ على استقلالهما عن السلطات بشكل كامل.

تاسعًا: التربية والتعليم

لا شكّ في أنّ هذين القطاعين من أهمّ القطاعات التي يجب العمل على تطويرهما في المستقبل، فهما ركيزة بناء الأجيال القادمة. لقد مرّت سورية بتجربة عصيبة عندما تحكم حافظ الأسد في هاتين المؤسستين، فعمد إلى تشكيل العقيدة التربوية للعديد من الأجيال السورية، بحيث تصبح مطواعة للاستبداد ومنتجة له. لقد كانت تجربة “طلائع البعث” و”شبيبة الثورة” والتدريب الجامعي أسوأ كوابيس أطبقت بثقلها على أنفاس السوريين، منذ ولادتهم حتى إنهائهم دراستهم الجامعية. وسيكون من الواجب القيام بثورة حقيقية في هذين القطاعين لتحريرهما من القيود الهائلة التي كبلتهما عبر مئات القوانين والتشريعات واللوائح، وعبر عشرات المنظمات والنشاطات والفعاليات التي وجّهتهما وجهة استدامة الاستبداد وإعادة إنتاجه.

كيف نتعامل مع العقبات الكأداء في طريقنا نحو المستقبل؟

سيكون أمامنا كثيرٌ من التحديات، لا يمكن اختصارها بقضايا ضبط الأمن وإعادة الإعمار وعودة المهجرين ومتطلبات العدالة الانتقالية فقط، بل هناك تحديات هائلة نتجت عن تراكم سلوكيات مجتمعية محايثة للاستبداد السلطوي، وأخرى سابقة عليه ونابعة من طبيعة المجتمع الذكوري من جهة، ومن العادات والتقاليد وأنماط التديّن المختلفة من جهة ثانية.

فالاستبداد السياسي يخلق صنوه الاجتماعي، أي الفساد، وأدواته الإدارية، أي المحسوبيات والتكسّب على حساب المصلحة العامة وباسمها. وهذه المسائل ليس من السهل التخلص منها، فقد أصبحت منهج الحياة في سورية قبل الثورة، وصارت الاستقامة والنزاهة عملة نادرة. أمّا بعد الثورة فقد تأصّلت وتعمّقت، وأضيف إليها نهج التشبيح العلني والتعفيش والسرقة والاستيلاء على الأملاك، بقوة السلاح تارة، وبقوة القانون تارات أخرى.

كذلك تواجهنا مخلفات قرون طويلة من العادات والتقاليد وأنماط التديّن التي ابتعدت عن جوهر الأديان وعن قيمها السامية، حتى بات بالإمكان الحديث عن أديان موازية للأديان السماوية، وما ظاهرة شيوخ السلطة واستتباع رجالات الكنيسة بجديدة علينا، فقد مرّت مجتمعاتنا بها من قبل. وقد استثمرت أنظمة الاستبداد المتعاقبة في هذه البنى المجتمعيّة أيما استثمار لتعزيز سيطرتها.

بنية المجتمعات الشرقية عمومًا، ومنها المجتمع السوري، لا تخلو من رواسب البطرياركية الذكورية، وهذه وحدها بحاجة إلى ثورات هائلة حتى نتمكن من كسر قيودها الرهيبة. وعلى سبيل المثال، لا يمكن حصر مشكلات التمييز ضد النساء في المجالات السياسية ومجالات العمل والوظيفة العامة، بل هناك منظومة اجتماعية كاملة تعوق حضور المرأة في مجتمعنا، وهذه المنظومة بحاجة إلى تفكيك عبر أدوات ناعمة لا تثير الاضطراب ولا تخلق جبهات نحن بغنى عنها.

كذلك لدينا أمراض الطائفية المستشرية، التي تعززت خلال سنوات الحرب الطويلة. ومحاربة هذه الظواهر أمرٌ حاسم وأساسي لبناء عقد المواطنة، من خلال ولاء الأفراد للدولة السورية وللأمة السورية. يجب أن ينبع هذا الولاء من إحساسهم بكياناتهم كأفراد مسؤولين، وكمواطنين متساويين أمام القانون في الحقوق والواجبات. إن تساوي المراكز القانونية وحده لا يكفي، فلا بدّ من تطبيق ذلك فعلًا على أرض الواقع، وإلا فلن يكون هناك وجود للمواطنة، ولا وجود للدولة، وسيتشرذم السكان حينئذ حسب ولاءاتهم الطائفية أو القبلية أو الدينية.

أدوات التغيير

ليس هناك وصفة جاهزة للتغيير، فهذا يتعلّق بأشكال الانتقال السياسي من ناحية، وبالإمكانات المتاحة وموقف المجتمع الدولي واستعداده للمساعدة من عدمه من نواح أخرى. لكن يمكننا أن نتكلّم عن ميثاق شرف وطني يتضمّن تعهدات من قوى المجتمع المدني الفاعلة بالدفع بهذا الاتجاه. بمعنى أن تتعهد النقابات والتنظيمات المدنية والاتحادات الطوعية، وغيرها من منظمات البيئة والإعلام والروابط الصحفية والحقوقية، بالسهر على تحقيق هذه الغاية. مع ذلك، قد يحتاج الأمر إلى مؤسسات أو هيئات حكومية ممولة من الدولة، لكنها مستقلة عن الإدارة الحكومية وذات شخصية اعتبارية خاصة تمنحها صلاحيات واسعة للإشراف والمتابعة. ويمكن أن تتبع هذه الهيئة للبرلمان أو أن تكون مستقلة تمامًا. ولنا في تجارب الشعوب العربية أمثلة عملية على ذلك، حيث نصت دساتير كل من تونس ومصر والمغرب على مثل هذه الهيئات.

“عملت الهندسة الدستورية الجديدة على تعزيز دورة صنع السياسات بمكون مؤسساتي جديد، تحت مسمى (الهيئات الدستورية المستقلة)، في الدستور التونسي، أو (المجالس القومية) و(الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية) في الدستور المصري، حيث اعتبر الأخير في مادته 214 المجالس القومية المستقلة، ومنه المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة والمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، مجالس متمتعة بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، يؤخذ برأيها في مشروعات القوانين واللوائح المتعلقة بها وبمجال عملها”[5].

ما قبل الانتقال السياسي

يمكننا القيام بالكثير قبل الانتقال السياسي من الاستبداد إلى الديمقراطية، وقد ساعد تطوّر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في رفع مستوى الاحتكاك البشري. فمن خلال الندوات والمحاضرات واللقاءات وحلقات النقاش والعصف الذهني، يمكننا بناء الأرضية الأولية للقبول المجتمعي لهذه الأفكار. وقد كانت تجربة التواصل البشري خلال جائحة كورونا خير تمرين عملي على القيام بمثل هذه المهمات. يمكن أيضًا العمل من خلال الجاليات السورية في المغترب مع مجموعات السوريات والسوريين الذين انتقلوا ما بعد الثورة إلى هذه المجتمعات. وهناك إمكانات كبيرة للتعاون مع المنظمات المدنية المحلية في الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا والسويد وكندا وغيرها من البلدان التي استوعبت أعدادًا كبيرة من اللاجئين السوريين.

المصدر مركز حرمون للدراسات الاستراتيجيه

المواطنة المتساوية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى