عام

الشرق والغرب في نظرات متبادلة

الشرق والغرب في نظرات متبادلة

الكاتب : حسان الأسود

ثمّة نمط جاهز للشرق الأوسط، وخاصّة الدول العربية منه، في عيون الغرب، إن صحّ التعميم. تتبدّى هذه النظرة الجاهزة من خلال مظاهر كثيرة، يسمعها المرء في وسائل الإعلام، يشاهدها في المسلسلات والأفلام السينمائية، يقرؤها في الأدب، ويطالعها حتى في كتابات المثقفين والمفكرين، الذين يجب أن يكونوا أبعد الناس عن إطلاق الأحكام العامّة شبه الجاهزة.

ليس من المنطق في شيء أن ينتظر المراقب، من شعوب العالم المختلفة، معرفة دقيقة أو حتى مبدئية بقضايا شعبه، مهما كانت مصيرية بالنسبة إليه، فهذا أمرٌ -وإنْ أردناه- صعبُ التحقق في ظل ظروفنا البشرية الراهنة. وعلى الرغم من أنّ وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي قد هدمت أغلب الأسوار بين البشر، فما يزال هناك كثيرٌ من الحواجز بين البشر، لعلّ أقلّها حواجز اللغة، وأكثرها حواجز المصالح، وهناك -بكل تأكيد- كثير من الأولويات المختلفة لدى الناس، فما يُعتبر بالنسبة إليّ كسوري أمرًا جوهريًا، قد يكون آخر اهتمامات الأميركي، أو حتى خارج نطاق تفكيره، والعكس صحيح.

ما يهمّ الألماني أو الفرنسي أو الأميركي اليوم، بشكل رئيس، هو الحد الأدنى للأجور ومستوى الخدمات العامة، من تعليم وطبابة وأمن وعدل وتأمين فرص عمل وسلّم الضرائب، ثم تأتي قضايا المناخ وبعدها قضايا السلم العالمي، وفي آخر السلّم، نجد حقوق الشعوب الأخرى بالعيش الحرّ الكريم. ينطبق هذا على أغلب شعوب الدول المتقدمة، فما وصلت إليه هذه الشعوب من منجزات علمية وحضارية يجعلها تفكّر بغيرها من الشعوب، لكن في أوقات الفراغ، أو عند فئات محدودة جدًا منها، ما يجعل قضايا غيرها من الشعوب على هامش السيرة لا في صلبها. بالمقابل، هذا ما يحصل في شرقنا، فما تطمح إليه شعوبنا من حرية وكرامة وتداول سلمي للسلطة وحوكمة رشيدة وديمقراطية، تمّ تجاوزه منذ زمن بعيد في الغرب، فلم يعد في سلّم أولويات المواطنين هناك.

يتلقى المواطنون تعليمهم من خلال المناهج الدراسية الرسمية في دولهم، ثم يأخذون ثقافتهم من احتكاكهم ببعض ضمن دوائر أسرهم ومجتمعاتهم، ويؤدي الإعلام أدوارًا مهمّة في هذا السياق، كذلك للآداب والفنون نصيبها من تعميم الثقافة، فتكرار استخدام عبارات وأوصاف ومصطلحات محددة يؤدّي في النهاية إلى تشكيل مفهومٍ ما يشرح جوهر الظاهرة المحكي عنها. وهذا ما يجعل التنميط أمرًا يسيرًا، خاصّة إذا ما تعلّق بأناس لا احتكاك مباشرًا بهم، مما يؤدي إلى ارتباط صورةٍ ما بذهن الناس لمجرّد سماعهم أحد هذه الأوصاف أو إحدى هذه العبارات أو المصطلحات. كمثال بارز على ذلك، يمكننا أن نتحدّث عن الصورة النمطية التي رسمتها هوليود للعرب والمسلمين. فقبل أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، كان العربي بلباسه التقليدي رمز الفجاجة والبذاءة المترافقتين مع الغنى الفاحش، وبعد هذه الأحداث، بات المسلم رمزًا للإرهاب، بغض النظر عن جنسيته. وليس مصادفة أن يتمّ في الولايات المتحدة الأميركية اعتقال عدد من أتباع الديانات البوذية أو السيخية بتهم الإرهاب، على إثر تلك الأحداث، لمجرد أنّ أشكالهم وملابسهم قريبة نوعًا ما من أشكال وملابس المسلمين.

في معالجتها لأحداث بيروت الأخيرة، قبل أسابيع، تناولت أغلب المحطات التلفزيونية والإذاعات الألمانية المسألة بتوصيفات معلّبة جاهزة. فكان العنوان الذي دارت حوله هذه المعالجة -باختصار شديد- هو الصراع بين شيعة ومسيحيين! فاستنادًا إلى أنّ أفراد الميليشيات الذين حملوا سلاحهم وأطلقوا النار في محيط القصر العدلي كانوا من الشيعة، وباعتبار أنّ القاضي طارق بيطار المسؤول عن ملف التحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت مسيحي، وبالنظر إلى أنّ الأحداث وقعت في محيط حيّ برمّانه الذي تقطنه غالبية مسيحية، وحيّ الشياح الذي تقطنه غالبية شيعية، اعتبرت هذه الوسائل الإعلامية أنّ الصراع هناك شيعي مسيحي، أي أنه طائفي، ولم تكلّف نفسها عناء الغوص قليلًا لرؤية حقيقة الصراع هناك.

تنظر أغلب القوى المجتمعية في الغرب إلى بلادنا على أنها خليطٌ عجيبٌ من القبائل، أي أنها في أفضل توصيفاتها مجرّد كيانات اجتماعية تراحمية، يرتبط أفرادها فيما بينهم بروابط الدم والعرق الوشائجية، من دون روابط المواطنة الحديثة. أو أنّ هذه البلاد مجموعة من الطوائف الدينية المتناحرة، وأنّ هذا التوصيف هو معطًى لا تاريخي، بمعنى أنّ بلادنا كانت كذلك منذ نشأتها، وأنها ستبقى على هذا الحال إلى الأبد. وهذا يجعلها غير مبالية -بشكل أو بآخر- بما يجري في تلك البلدان.

والحقيقة، أنّنا -شعوبَ الشرق عامّة- لدينا مثل هذه التنميطات والأفكار المعلّبة الجاهزة. فنحن ننظر إلى الغرب وكأنّه كيان واحد له آليات عمل لا يحيد عنها ومرجعية فكرية واحدة، لا تعرّف ذاتها إلا بالتضادّ مع منطقتنا وشعوبنا وحضارتنا. ونحن ننظر إلى الشعوب الغربية وكأنها شعبٌ واحدٌ بتاريخ واحد، وهذا يجعلنا نتقبّل التعميمات العنصرية تجاهها. فهذه البلاد موصومة، لدى عامّة الشعوب الإسلامية، بأنها بلاد الكفر والانحلال الأخلاقي، وإن كانت في الوقت ذاته بلادَ العلم والحضارة والثقافة. ولعلّ هذه النظرة المتناقضة من آليات الدفاع التي ابتدعناها، لنبرر تخلفنا وجهلنا، مقارنة بهذه الشعوب التي امتلكت ناصية العلم وامتطت صهوة الحضارة. ولأنّ الفضاء العام في بلادنا مغلقٌ علينا، ولا يمكننا الحديث بالشأن السياسي ولا بأي شأنٍ يمسّ سلطات الأنظمة الحاكمة، ولأنّ منابر المساجد مفتوحة ولا يمكن للسلطات إغلاقها، فقد أسهمت خطب شيوخ السلطة وغيرهم في هذه النتيجة التي وصلنا إليها. بل إنّ الاستعلاء الناتج عن جهل وتخلّف وصل بأحد مدّعي المشيخة في بلد عربي إلى أن يزعم أنّ مهمّتنا ليست الإسهام في الاختراعات والعلوم والفنون، فهذه مهمّة غيرنا، نحن فقط مهمتنا نشر الهداية للآخرين!

بكل الأحوال، ليس من مهمة المواطن العادي الألماني أو السويدي أو الفرنسي أن يحلل بنية مجتمعاتنا، وأن يدخل في جوهرها، ليدرك أنّ الصراع هناك ليس طائفيًا ولا قبليًا، وإن تمظهر بذلك خارجيًا. هذه مهمة مراكز الأبحاث والدراسات، التي غالبًا ما تُعرضُ عنها لأسباب تاريخية يطول شرحها، ولا مجال لها هنا. فهذه المراكز ليست بعيدة عن النظرة الاستعلائية لفكر الاستشراق الذي طالما كان غير متمتّع بالحياد العلمي المطلق تجاهنا وتجاه قضايانا ومصايرنا ومشاكلنا.

ولأنه ليس من مهمة المواطن الشرق أوسطي العادي أيضًا أن يبحث ويستقصي ويفكر بعمقِ ما تمتلكه مراكز الأبحاث وما يقدر عليه المفكرون والفلاسفة، ولأنّ دولنا العربية مستقيلة من أداء أية وظائف ومهام غير قمع شعوبها وقهرها، وجب على مراكز الأبحاث المستقلة، وعلى المثقفين منّا، أدباء وفنانين وعلماء وإعلاميين وصحفيين وغيرهم، أن يصححوا هذه النظرة في عيون الغرب عنّا، وعليهم أيضًا أن يصححوا نظرتنا الذاتية لأنفسنا. إنّها مهام إنسانية متبادلة، لكنّنا الطرف الأضعف في حلقة الحضارة البشرية الآن، وعلينا أن نبذل أكثر من طاقتنا لنقوم بما هو أكبر من مهامنا، لنجسر المسافة ونردم الهوّة بيننا وبينهم.

المصدر : مركز حرمون للدراسات المعاصرة https://www.harmoon.org/opinions/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%af%d9%84%d8%a9/

Arab Center

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى