عام

تطاوَلَ الليلُ على درعا

متظاهرون يؤدون الصلاة في ساحة المسجد العمري بدرعا – سوشيال ميدي

يا لَتلك الأمثولة التي لا تقبل النسيان، كلام قاله امرؤ القيس تستعيده حوران اليوم، وهي التي كانت طريقه لنجدةٍ لم يدركها، وأملٍ مات دون تحقيقه، فعُذِر في محاولته وانتقل إلى عالم الأيقونة والرموز الكبرى في التاريخ. ”تطاولَ الليلُ علينا دمونْ. دمونُ إنّا معشرٌ يمانونْ. وإنّنا لأهلنا مُحبّونْ“، وإنّنا، اليوم، لننظر لدرعا متتبعين الدقائق والساعات، ونشهد جريمة لا يقبلها عقل متحضّر في القرن الحادي والعشرين. تهجير طائفي جماعي؟ وتجريف سكاني تحت الشمس، وشُذّاذ آفاقٍ من كل جهة من جهات الأرض جلبهم الأسد ليصبحوا أسياده بعد أن عجز عن استعادة عصا السيد التي كان يلوِّح بها في وجوه السوريين. 

لا يمكن للحديث عن درعا وما يجري فيها أن يكون إلا ممزوجاً بالأدب والشعر، وهي التي أشعلت جذوة الثورة في سورية كلها، بكلمات بسيطة خطّها أطفالها على جدار المدرسة. شيء يشبه الشعر. هكذا هي حوران وأمزجة أهاليها وتَوْقهم إلى الحرية التي جعلتهم يرسّخون مبدأ مشـى عليه السوريون من بعدهم ”الموت ولا المذلّة“. هي واحدة من صور التاريخ لا مجرّد أحداث يومية وأخبار محطات ومنابر. سيذكرها المستقبل جيداً ويحفرها فوق صخور الأجيال الآتية.

أي مفاوضات ينتظرها السوريون لحسم الموقف في درعا؟ وأية وساطة روسية؟ وأي تقلبات أردنية؟ وأي أنابيب غاز يمكنها أن تجمّل عورة الذي يدور في هذه اللحظات. جريمة حرب موصوفة، لا تقلّ خطورةً عن الضربات الكيميائية التي وجَّهها الأسد تجاه المدنيين في الغوطة وغيرها. 

تكسير رمزية درعا، هو انتقام من الأسد من أولئك الذين لم تفلح معهم أي وسيلة أو حيلة، لا القصف ولا الاجتياح، ولا اللعب من تحت الطاولات باتفاقية تسوية، ولا العامل الروسي. ولا البرنامج الإيراني الحثيث لنشر التشيّع في حوران وجبل العرب. كل المساعي تلك لم تُجْدِ نفعاً. ولن تفعل نيران الفرقة الرابعة وحزب الله وبقية الميليشيات الطائفية أفضل مما فعل غيرها قبلها.

ستكون درعا أخطر مما يعتقد الأسد، ومن خلفه الروسي والإيراني. وفيها ستتكسّر التحالفات الهشّة، وحتى لو بسط عليها سلطته مجدداً، فلن تستقر له الأمور. أنابيب الغاز التي يريد أن يغذي بها لبنان، ليست حسبما يقول العارفون على هوى الإيراني. فطهران لا تريد للبنان أن يستفيد من غاز العرب، وهي تعمل على قطع الطريق على هذا المشروع بدلاً من تذليله. 

أما الروس فحائرون بين الموقف الإسرائيلي الذي يريد إيران جاراً ولا يريدها في الوقت ذاته. المقاتلات الإسرائيلية باتت تقوم بطلعاتها ضد الأهداف الإيرانية في سورية من باب التدريبات العسكرية، ولم يعد هذا بالنسبة إليها تحدياً أو مخاطرة. فإيران لن تردّ، وإن ردّت سيكون الردّ شكلياً لأنها لا ترغب بحرب مع إسرائيل، لا اليوم ولا غداً. أما الطبقة السياسية الإسرائيلية فتفضّل حسم الأمور وإبعاد إيران عن المنطقة، وهو الطلب الذي يعجز الحليف الروسي عن تلبيته. ولم تنجح مشاريع التطبيع العربية مع الأسد في فك ارتباطه مع إيران فقد فات أوان ذلك منذ زمن بعيد، والعرب يتحركون دوماً متأخرين خطوات عن أعدائهم.

التهجير الذي يتأوّه منه الكثيرون، ويصورونه على أنه وداع أخير لتراب حوران. لن يكون نهاية المطاف. اللهم إلا في عقل الأسد ومن يشبهونه في اليأس من التغيير والقنوط من حركة التاريخ. وأياً كان المكان الذي سيحطّ فيه أهل حوران رحالهم، إن حصل التهجير، فستكون درعا قريبة، وتفاعلاتها أكثير تعقيداً من قدرة جميع الفاعلين على السيطرة عليها. عندئذ فقط سيدرك المهجّرون أنهم لم يغادروا درعا ولم تغادرهم. حين يهدأ غبار القصف الذي طال الجامع العمري، وكسر مئذنته وبعثر مصاحفه. وهي ليست المرّة الأولى، فقد انتهك جيش الأسد المكان الرمزيّ هذا من قبل، وعاث جنوده به فساداً وإهانة، ولم يتغيّر شيء. عادت درعا كما كانت، لا بفضل ترسانة مقاتليها بل بفعل الروح الخاصة التي يتمتع بها أهلها. وهي روح عصيّة على الاندثار. شاء لها قدرها أن تكون مملكة أهراءات الرومان الذهبية، ومقام عرش الغساسنة، ومبرك ناقة النبي، وحجر أساس عمر. معادلة أكبر ممن يحاولون طيّ سجلها ومحو أثرها وجعلها حديقة خلفية لرئيس بات بحكم زعيم الميليشيا في جهاز الحرس الثوري لا أكثر.

الغرق في تفاصيل المشهد، والتأثير السلبي الذي تتركه الميديا الوجدانية يُغشِّي الأعين عن رؤية الحقائق التاريخية التي لا يمكن القفز من فوقها، الحرب ليست قوة غاشمة وحسب، وهناك قواعد تمشي عليها الأحقاب، لا علاقة لها بمن يملك العتاد والعديد والنيران. فقد مرّ على هذه الأرض من هم أَعْتَى من شراذم إيران الحاليين، ولم يطُلْ بهم الزمن حتى انقلبت عليهم حوران، ورجعت إلى عاداتها. ودرعا ستبقى البداية لا النهاية، وهي ليست من عند جيلنا هذا، فهي إشارة من الماضي البعيد بعث بها إلينا الحوراني الجليل ابن كثير صاحب ”البداية والنهاية“.

فأين تتوهّم إيرانُ وفلولها أنهم ذاهبون؟

الكاتب: ابراهيم الجبين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى