مقالات

هل يلعب بوتين ورقته الاخيرة؟


بشار الحاج علي

(الحصان الخاسر)

لا تكمن الحكمة فقط في عدم الرهان على الحصان الخاسر بل من الحكمة التخلي عنه.

ربما يبرر للدول أن تتدخل لحماية مصالحها السياسة والاقتصادية بشتى الوسائل.

كما نعلم أن المبدأ الأصل في السياسة الدولية هو المصلحة الوطنية العليا وللدول الحق في اتباع الوسائل والطرق التي تراها مناسبة للبلوغ لهذه الغاية.

لكن هذه السبل والطرق حكمتها الأعراف الدولية تاريخياً خاصة قبل نشوء التنظيم الدولي بداية بعصبة الأمم وانتهاء بمنظمة الأمم المتحدة وذراعها التنفيذي مجلس الأمن الدولي.

هذه المنظمة التي قامت على أساس التحالف من أجل السلام والتي تعبتر خطوة مهمة في التقدم البشري في التنظيم، وعلى الرغم من عدم المساواة وهيمنة الدول الكبرى على القرارات الأممية، إلا أنها وضعت قواعد تقلل من الصدامات والمواجهات وتوجد آلية لحل النزاعات بطرق سياسة وسلمية وقانونية.

ومن الطبيعي أن هذا لم يكن مثالياً إلا أن وجود التنظيم الدولي قلل من مخاطر وويلات الحروب الكبرى، كالحربين العالميتين الأولى والثانية.

وكان من أركان التنظيم الدولي القوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ومنها الاتحاد السوفييتي السابق الذي ورثته روسيا الاتحادية بعد انهياره وأخذت العضوية الدائمة وحق نقض مشاريع القرارت التي يمكن أن تصدر عنه إذا كانت تؤذي مصالحها فتوقف إصدارها وتحويلها إلى صفة الإلزام.

لطالما وضعت روسيا بكل ثقلها السياسي والعسكري في سوريا ودفعت أخلاقيا وإنسانيا لتعزيز وجودها فيها فمن دفاعها عن (نظام العصابة) في المحافل الدولية وخاصة مجلس الأمن حيث استخدمت روسيا بوتين حق النقض (الفيتو) كونها دولة دائمة العضوية فيه خمس عشرة مرة ضد مشاريع القرارات التي كانت من الممكن أن تحد من معاناة الشعب السوري وتوقف الخسائر الفادحة وتعطي فرصاً للحل السياسي إلى تدخلها العسكري المباشر والسافر إلى جانب النظام الدكتاتوري ضد الشعب الذي يطالب بحقوقه.

ومع استمرار هذا الدعم اللامحدود لنظام فاقد الشرعية وطنياً وشعبياً، والسعي لإعادة تسويقه دوليا كأمر واقع نتيجة للحل العسكري المدعوم منها ومن خلال وجود قواتها العسكرية في ظل رفض دولي لإعادة شرعنة وجوده ورفض شعبي للعودة إلى الحكم الدكتاتوري العسكري والقبضة الأمنية، التي انتهكت كل المحرمات.

هل يلعب بوتين ورقته الاخيرة؟

في ظل فشل كامل للدولة السورية تحت إدارة العصابة الممسكة بالسلطة وفِي ظل انهيار الاقتصاد، وتدني قيمة الليرة السورية إلى مستوى جعل أكثر من ٨٠٪؜ من السوريين تحت مستوى الأمن الغذائي ليس فقط خط الفقر، وفِي حالة من انعدام الخدمات ونزوح من مناطق سيطرة النظام باتجاه مناطق سيطرة القوى المعارضة.

أصبح التوافق الدولي في المأساة السورية بحاجة لمبادرة جديدة ولابد وأن ترتكز على القرارات الأممية خاصة القرارين 2254 و2118

ناهيك عن خروج مناطق كبرى عن السيطرة ووجود خمسة جيوش أجنبية على الأراضي السورية مما يعني نقص السيادة سياسيًا، يضاف إلى ذلك العقوبات الدولية الأوروبية والأميركية بملف قانون حماية المدنيين المسمى (قيصر).

ومع انسداد أفق التفاوض منذ سنوات ومع مراوحة اللجنة الدستورية في مكانها في جولاتها الخمس الماضية دون أي خرق يذكر، أصبح التوافق الدولي في المأساة السورية بحاجة لمبادرة جديدة ولابد وأن ترتكز على القرارات الأممية خاصة القرارين 2254 و2118 وبيان جنيف، وحيث إنَّ هذه القرارات تتحدث عن انتقال سياسي وفق حل سياسي يقوم على هيئة حكم انتقالي ودستور جديد ومرحلة انتقالية تبدأ بإجراءات حسن النية من إخراج جميع المعتقلين والبدء بإيجاد البيئة الآمنة لعودة اللاجئين والنازحين والمهجرين إلى المدن والبلدات التي هجروا منها، ومن ثم إجراء انتخابات شفافة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة يشارك فيها كل السوريين، وهذا كله يتوقف الآن على فرصة لروسيا لتخرج من رهانها الخاسر على نظام دكتاتوري كان السبب في الوصول لما وصلت إليه البلاد وغير قادر حتى على تحقيق مصالحها التي سعت لتحقيها من خلال القوة العسكرية وسيزيد في العزلة الدولية على سوريا وعلى روسيا أيضاً.

فبدلًا من الحديث عن استحقاقات دستورية في نظام جمهوري وراثي أتى من خلال انقلاب عسكري واستمر بالقمع وتصفية المعارضين، وحكم من خلال تعطيل الدستور الذي فصل على مقاس الدكتاتورية بما يسمى حالة الطورائ أو قانون الطوارئ الذي استمر من انقلاب 1970 حتى الوقت الحالي!

وفِي ظل هذا يبدو من المضحك الحديث عن انتخابات رئاسية في سلسلة طويلة من اللاشرعية للحصان الروسي الخاسر وفرصة روسيا بوتين تكمن في معرفة هذه الحقيقة، والمبادرة إلى العمل مع المجتمع الدولي ضمن الإطار المنطقي للحل ومفصلية الدور الروسي تكون؛ من خلال استخدام نفوذها على السلطة الحاكمة والقيام بالإجراءات التالية:

أولاً: اتخاذ النظام قراراً بتأجيل (الانتخابات الرئاسية) لحين صياغة دستور جديد.

ثانياً: إخراج جميع المعتقلين دون قيد أو شرط.

ثالثاً: رفع القيود الأمنية عن كل السوريين.

رابعاً: اعتبار كل السلطات الحكومية بما في ذلك الرئاسة هي بمثابة سلطات تصريف أعمال.

خامساً: العودة إلى جنيف وتشكيل هيئة حكم انتقالي بالصلاحية الكاملة.

هذا ما تستطيع روسيا فعله ضمن قدرتها ونفوذها على النظام السوري ومن خلال ذلك يمكن العمل مع المجتمع الدولي بتطبيق رؤية مشتركة للقرارات الأممية.

وذلك بالشروع بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي على طريقة المثالثة قوى الثورى والمعارضة المجتمع المدني والنظام، ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء السورية ولَم يتهموا بجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

ويترافق مع ذلك تشكيل مجلس عسكري أمني لضبط الأمن وقيادة الجيش في المرحلة الانتقالية.

يترافق ذلك مع قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع، يضع جدولاً لخروج جميع القوات الأجنبية وملاحقة الميليشيات والمنظمات الإرهابية ومحاكمة قادتها.

هذه الفرصة أمام روسيا وأمام الرئيس الروسي بوتين التي لن تتكرر، وهي قابلة للنجاح مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن ربما يوحي ذلك بتصاعد فرص الحل السياسي وحصول انفراج دولي من بوابة سوريا لانسداد أفق روسي خارجي وداخلي مع عودة المظاهرات ضد نظام بوتين.

فهل تبادر موسكو للحضور في المحافل الدولية من خلال الحلول بدلاً من المواجهة الطويلة.

بشار الحاج علي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى