مقالات

الجولة الخامسة للجنة صياغة الدستور السورية المنعقدة اليوم: الخلافات واحتمالات الحلّ

تنطلق اليوم، الإثنين، في جنيف الجولة الخامسة من اجتماعات لجنة صياغة الدستور المصغرة في ظل عدم وجود مؤشراتٍ على إمكانية إحراز تقدمٍ في رسم الخطوط العريضة للدستور الجديد، وإقامة انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهةٍ بموجب القرار 2254 بعد عامٍ على بدء الجولة الأولى.

ويرفض نظام الأسد بدعم من روسيا ربط عمل لجنة صياغة الدستور بالانتخابات الرئاسية المقرّرة وفق الدستور الحالي في شهر مايو/أيار المقبل، والتي يقول بشأنها إنَّ اللجنة ستستمر ربَّما لسنواتٍ، ما يعني عدم رغبته بالانتهاء من صياغة دستورٍ جديد قبل الانتخابات، وبالتالي ترجيح إعادة انتخاب بشار الأسد لسبع سنوات قادمة، وفرض حالة مستعصية على الحلّ السياسي.

وخلال أربعِ جولات عُقدت على مدى نحو عامٍ، لم تتمكن لجنة صياغة الدستور من التوصل سوى إلى جدول أعمالٍ تحت عنوان “المبادئ الأساسية للدستور”، بحسب ما أعلنه المبعوث الأممي غير بيدرسون في اختتام الجولة الرابعة التي انتهت في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الماضي، بحيث سيتم البدء بمناقشتها خلال الجولة الخامسة، في حين أشار في إحاطته أمام مجلس الأمن في 20 من الشهر الحالي إلى أنّ الانتخابات الحرة والنزيهة التي تجري وفق دستورٍ جديد تحت إشراف الأمم المتحدة، والمنصوص عليها في القرار 2254، تبدو بعيدةً في المستقبل.

روسيا تدخل على خط الخلافات في هيئة التفاوض

وألقت الخلافات داخل هيئة التفاوض بظلالها على تحضيرات وفد المعارضة في لجنة صياغة الدستور للجولة القادمة، بعدما وجهت منصتا موسكو والقاهرة، بالإضافة إلى هيئة التنسيق الوطني، رسالة في 13 يناير/كانون الثاني 2021، إلى كلّ من بيدرسون، ووزارتي الخارجية في مصر والسعودية، تبلغهم فيها رفض قرار هيئة التفاوض استبدال ممثلي منصة القاهرة وموسكو في الهيئة واللجنة الدستورية، كما عرضت ما قالت الرسالة إنّها مخالفات داخل هيئة التفاوض سببها كتلة “الائتلاف الوطني”، في حين سارعت موسكو للدخول على خط الخلافات، إذ التقى وزير خارجيتها سيرغي لافروف بممثلين عن منصتي موسكو والقاهرة في موسكو، الخميس الماضي، في إشارةٍ ذات دلالة إلى دعم موقف المنصتين .

ويرى محمد ياسين نجار، السياسي والوزير السابق في الحكومة السورية الموقتة، أنّ الجولة الخامسة أمام سؤالٍ كبيرٍ، وهو هل ستكون جولة أخيرة كسابقاتها من جولات جنيف في ظلّ مستجداتٍ كبيرة يأتي على رأسها ملف هيئة التفاوض مع ما يعنيه ذلك من إشكالات عميقة طفت على السطح أخيراً؟

ألقت الخلافات داخل هيئة التفاوض بظلالها على تحضيرات وفد المعارضة في لجنة صياغة الدستور للجولة القادمة

ويقول نجار لـ”العربي الجديد”، إنّ تلك التطورات تجعل وفد المعارضة الممثل لها في اللجنة الدستورية غير فاعلٍ، ولا سيما أنَّ النظام يستخدم عامل الاستنزاف الزمني لتنفيذ خطته بإجراء الانتخابات الشكلية، ما يجعله سلطة أمرٍ واقعٍ لمرحلة جديدة، إضافة إلى التقارب الواضح بين منصة موسكو و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) لترتيب آلية تحالفية بينهما، تناسب المرحلة القادمة مع مجيء إدارةٍ أميركيةٍ جديدة.

ومن جهته، استبعد أمين عام “المجلس السوري للتغيير” (معارضة) المحامي حسان الأسود أن تتمكن لجنة صياغة الدستور من إنجاز الدستور كاملاً قبل موعد الانتخابات الرئاسية القادمة، قائلاً لـ”العربي الجديد”: “إنَّ حالة المماطلة والتسويف التي طبعت تعامل وفد النظام ونهجه خلال الجولات السابقة للجنة الدستورية، قد تستمر حتّى موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل، ومن الممكن أنْ تتأثّر بالضغوطات الدولية قليلاً، فتحقق العملية بعض التقدم الذي لا يؤثر على إجراء الانتخابات.

وأضاف الأسود: “نظام الأسد يضغط باتجاه إجراء الانتخابات خارج الأطر المحدّدة بموجب القرارات الدولية، ليثبّت أمراً واقعاً عمره سبعة أعوام قادمة، لكنّ الوقائع السياسية غير الوقائع الميدانية الحربية، لا تأخذ شرعيتها من ذاتها، بل من اعتراف الدول بها. بالمقابل تضغط قوى الثورة الشعبية والمجتمع المدني السوري لمنع إجراء هذه الانتخابات، أو على الأقل تعزيز عدم قبول الدول بها، وبنتائجها إذا تمّت بالفعل، وقد بدأت قوى عديدة، في مقدمتها المجلس السوري للتغيير، حملة وطنية لهذه الغاية تحت شعار (لا شرعية للأسد وانتخاباته)”.

نظام الأسد يصرّ على إجراء الانتخابات في موعدها

ويصرّ نظام الأسد على إجراء الانتخابات الرئاسية، حيث أكدّ مسؤولوه غير مرةٍ أنّها ستجري في الموعد المحدد، وإذا نجح النظام في ذلك، فإنّ الحديث عن اللجنة الدستورية التي يسميها لجنة مناقشة الدستور سيكون خارج سياق تطورات القضية السورية، بل إنَّ مصداقية الأمم المتحدة أيضاً ستنتهي بسبب عجزها عن إيجاد صيغة للحلّ السياسي في سورية.

ولم يُعلن بشار الأسد بعد ترشحه للانتخابات الرئاسية التي أكدّ في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنّها ستجري في موعدها، إلّا أنّ الخطوات التمهيدية للتحضير لها على المستويين المحلي والدولي يبدو أنّها بدأت، مع تكثيف بشار الأسد وزوجته وأولادهما حضورهم الإعلامي الاستعراضي، وإعلان وسائل إعلام النظام قرب إقامة فعاليات وصفتها بالشعبية، والترويج لانفراجاتٍ قادمة في الوضع المعيشي، وإطلاق سراح عددٍ من المعتقلين تمّ اعتقال بعضهم أخيراً كبديلٍ لعفوٍ عام يرفض النظام إصداره، إضافة إلى توجيهه رسائل للداخل والخارج باستئناف محاربته لتنظيم “داعش”.

وقبل أيامٍ، تحدثت صحيفة “الثورة” التابعة للنظام عبر موقعها على الإنترنت، عمّا سمته بـ”توجه شعبي” لدعم بشار الأسد، مع اقتراب موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية، ويتضمن انطلاقة قريبة لفعاليةٍ بعنوان “أطول رسالة حبّ ووفاءٍ في العالم إلى رجل السلام الأول السيد الرئيس بشار الأسد”، وهي عبارة عن رول قماشي بطول 2000 متر على عربة ترافقها 14 فتاة رياضية مدربة على هذا العمل من جميع المحافظات السورية، ستنطلق من دمشق مروراً بجميع المحافظات والعودة إلى دمشق لتسليم الرسالة إلى بشار الأسد، حيث ستحمل تواقيع مليونين ونصف مليون مواطن سوري في المحافظات، وسيتم العمل على دخول الفعالية موسوعة “غينيس”، بحسب تعبير الصحيفة.

روسيا تتماهى مع النظام

وتتماهى روسيا مع موقف النظام بالنسبة للانتخابات، إذ صرّح نائب وزير خارجيتها سيرغي فيرشينين قبل أيام، بأنّ دعوات بعض الدول لعدم الاعتراف بالانتخابات الرئاسية تقوّض الأداء المستقر للمؤسسات الرسمية في سورية، في حين كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أعلن من دمشق في سبتمبر/أيلول الماضي أن موضوع الانتخابات الرئاسية قرار سيادي لسورية ولا جدول زمنياً لعمل اللجنة الدستورية.

وتقول مصادر صحافية عربية في العاصمة الروسية لـ”العربي الجديد”، إنّ تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي تندرج في إطار الردّ على تصريحاتٍ أميركية بعدم الاعتراف بالانتخابات، ورسائل إلى الغرب بأنّها تريد مناقشة الموضوع مع الجانب الأميركي، الذي يبدو حتى الآن متوافقاً مع الأوروبيين بالتأكيد على بيان جنيف والقرار الدولي 2254.

وتضيف المصادر أنّ روسيا تعمل على تثبيت نظام الأسد، وتريد أن تقول للغرب الرافض لشرعية الانتخابات إنّ ما نجحت به عسكرياً تقوم باستثماره سياسياً، وأنّ الضغوط الغربية لن تغير مواقفها، ولا سيما بعدما فشلت في انتزاع موافقة أوروبية بخصوص إعادة اللاجئين، وفي توسيع الانفتاح العربي مع النظام مع تأكيد القمة الخليجية الأخيرة التمسك ببيان جنيف 1 المتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالي، وبالقرار 2254، إضافة إلى فشلها في تحقيق تسوية في

أشهر حاسمة  

وضمن هذه المعطيات، من غير المتوقع إحراز حلحلة في ملفات القضية السورية، بل المزيد من “تعفين” الوضع السياسي، وخدمة ما هو قائم على الأرض، بل وإدخال من تبقى من معارضة بتفاصيل لا قيمة لها، ولا تأثير لها على الأرض، كما يقول المحلل السياسي غسان المفلح لـ”العربي الجديد”.

ويضيف المفلح: “ثمة قضية لا بدَّ من تأكيدها، وهي أنّ أميركا لا تحلّ القضايا المعنية بها عبر منصات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وهذا ينطبق على علاقتها بملفات القضية السورية، وبالتالي لا حلّ في سورية عبر أروقة الأمم المتحدة، والولايات المتحدة بايدن متجهةً نحو مزيد من تزمين الوضع القائم.. مع الأخذ بالحسبان صفقة قادمة مع إيران”.

وتبقى الأشهر القليلة القادمة حاسمةً بالنسبة للقضية السورية، وتتأرجح بين انتهاء اللجنة الدستورية من صياغة الدستور قبل الانتخابات الرئاسية، وبين هذه الانتخابات، في حين بدت النهايات الميدانية واضحة ومجمّدة على حالها منذ نحو عامٍ، حيث تسيطر فصائل المعارضة على مناطق في شمال غرب سورية، بينما تسيطر قوات سورية الديمقراطية على شمال شرق سورية، في حين يسيطر النظام السوري على ما تبقى من البلاد، وهي المساحات الأوسع.

وعلى ضوء ذلك، فإنّ الكلمة الفصل تبقى لتفاهم القوى الكبرى على فرض حلّ سياسي وضعه المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية جويل رايبورن الأسبوع الحالي برسالة وداعه لمنصبه أمام الإدارة الأميركية الجديدة، بالقول: “لا خيار أمام الأسد سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات،  والقبول بالحلّ السياسي”.

المصدر الجولة الخامسة للجنة صياغة الدستور السورية اليوم: الخلافات والحلول (alaraby.co.uk)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى